النصر … يقينٌ واستحقاق
23 ساعة مضت
المقالات
91 زيارة
جاء عند ابْنِ إسْحاقَ عن يوم بدر: فَحُدِّثْتُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا: أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ…». قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، وَنُعِدُّ عِنْدَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْر.
ثم أخذ النبي ﷺ يُنظم صفوف جيش المسلمين ويرتبها، قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وحدثني حِبَّانُ بْنُ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، أن رسول الله ﷺ عَدَلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قَدَحٌ يَعْدِلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرَّ بِسُوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ مُستَنتِلٌ مِنَ الصَّفِّ، فَطَعَنهُ رَسولُ اللهِ ﷺ فِي بَطْنِهِ بِالْقَدَحِ، وَقَالَ: «اسْتَوِ يَا سَوادُ بنُ غَزِيَّةَ». وَاستَعمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى المـُـــشَاةِ وَهُم فِي السَّاقَةِ: قَيسَ بنَ أَبي صَعصَعةَ عَمرو بنَ زَيدِ بنِ عَوفِ بنِ مَبذولِ، وَأَمرَهُ حِينَ فَصَلَ مِنَ السُّقيا أَن يَعُدَّ المسلِمِينَ، فَوقَفَ لَهُم عِندَ بِئرِ أَبي عَنبةَ، فَعَدَّهُم ثُمَّ أَخبَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدَّمَ أَمَامَهُ عَينَينِ لَهُ إِلى المـُشركينَ يَأْتِيانِهِ بِخَبَرِ عَدُوِّهِ، وَهُما: بَسبَسُ بنُ عَمرو، وَعدِيُّ بنُ أَبي الزَّغباءِ، وَهُمَا مِن جُهَينَةَ حَليفَانِ للأَنصارِ. فَانتَهَيَا إِلى مَاءِ بَدرٍ، فَعَلِما الخَبَرَ، وَرَجَعا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
بعد هذا الإعداد والأخذ بالأسباب على أتم وجهه، جعل رسول الله ﷺ يهتف بربه ويلح عليه ويسأله وعده فيقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، وما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبِل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه وألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ردائه، فقال: «يا نبي الله كفاك تناشد ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك».
ونحن إذ نستشرف المستقبل المبشر بقرب عودة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وكلنا ثقة ويقين بنصر الله القادم مصداقا لقوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، فإننا نجمع إلى هذا اليقين العمل والجد والاجتهاد والمثابرة، حتى نطمئن إلى استحقاقنا للنصر، امتثالا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. فهذه دعوة لكل مخلص غيور على دينه وأمته أن يضم يده وجهده إلى أيدي العاملين المخلصين لاستئناف الحياة الإسلامية.
2025-04-02