لحظة الحقيقة إرهاصات موت الغرب وانبعاث الإسلام، أمريكا ما بين صراع جيوستراتيجي مع الصين مستنزف وحرب حضارية مع الإسلام مفنية!
23 ساعة مضت
المقالات
103 زيارة
مناجي محمد
تقديم: الفهم الصراع الجيوستراتيجي الأمريكي الصيني وإستراتيجية أمريكا تجاه الصين، لا بد من معرفة الأسباب الكامنة والظروف والفرص الجيوستراتيجية وراء ظهور الصين على المسرح الدولي قوةً كبرى، ونمو قواها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية، حتى أصبح لها تأثيرها الخاص اليوم على الموقف الدولي والسياسة الدولية.
خرج الاستعمار الأمريكي إلى العالم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، بعد خروج الاستعمار الأوروبي من الحرب منهكا ومثقلا بخراب الداخل الأوروبي، فخلت الساحة الاستعمارية لأمريكا فسعت وراء مآربها الاستعمارية من خلال إنشاء مؤسسات سياسية واقتصادية دولية وترتيبات ومنظمات أمنية ثنائية وإقليمية وأحلاف عسكرية، ومبادئ وتشريعات وقواعد سياسية ليبرالية تعكس أهدافها ومآربها الاستعمارية، ثم صيرتها نظاما دوليا، وأصبح هدف السياسة الخارجية الأمريكية حماية استمرار نظامها الدولي والحفاظ عليه لديمومته والحيلولة دون تقويضه، وبات شعار السياسة الخارجية الأمريكية لديمومة نظامها الدولي حفظ الأمن والسلم العالميين.
وهكذا أنشأت أمريكا مؤسسات عكست مصالحها الاستعمارية ورؤاها الخاصة، آخذة بعين الاعتبار تلك العائدة لحلفائها المقربين. وقد قادت عملية إنشاء مؤسسات منحتها تأثيرا غير متكافئ من خلال أساليب وآليات تضمن لها التحكم والسيطرة، على شاكلة حصة تمويل أكبر مقابل حصة أكبر من السلطة والتحكم، وهكذا أصبحت أمريكا هي الجهة الصانعة والمحددة للقواعد الحاكمة في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكرست أمريكا نظامها الدولي القائم على القواعد الرأسمالية، وتم التوافق على هذه الرؤية الاستعمارية بين دول الكتلة الاستعمارية الغربية تحت القيادة الأمريكية.
ثم دخلت أمريكا في حرب باردة، تلك الصراعات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، مع خصمها الأيديولوجي الاتحاد السوفياتي لحماية نظامها الدولي وحفظهبعد أن أرست قواعده ونظمه ومؤسساته، واستمرت الحرب الباردة قرابة نصف قرن،وانتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره الشرقي وتفكك دوله سنة 1991. وبعد نهاية الحرب الباردة وانهيار المنظومة الشيوعية اتخذت أمريكا خطوات لتوسيع رقعة نظامها الدولي ليشمل العالم، وتم لها بالفعل إخضاع عدد أكبر من الدول إلى مؤسسات النظام الدولي الأمريكي، مع استمرار القواعد الأساسية في صنع القرارات خدمة لمصالحها الاستعمارية.
ثم في سكرة النصر على الاتحاد السوفيتي كان الشغل الإستراتيجي الأمريكي هو بناء الإمبراطورية والسيطرة على أدوات الهيمنة لإدارة العالم لتكون القطب المهيمن الوحيد، وما كانت تلك الأدوات إلا مصادر الطاقة والمواد الخام والموارد الطبيعية الأولية والتحكم في خريطة الطرق التجارية. ثم كانت الجغرافية الإسلامية وإسلامها الكامن المتجذر والذي استعاد حيويته الإستراتيجية بعد تجلية حقيقته الحضارية وبلورتها على يد ثلة واعية مخلصة العقبة الكأداء أمام بناء الإمبراطورية الأمريكية، وأصبح الإسلام من جديد الرقم الصعب في المعادلة الدولية والتحدي الأخطر لنظام أمريكا الدولي. وتناسلت الدراسات الغربية للظاهرة الإسلامية، فقد خصص المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أحد موضوعاته الرئيسية في التقرير السنوي الصادر عنه سنة 1987 لبحث تحت عنوان: “الإسلام قوة جديدة في العلاقات الدولية”، فحلل نتائج العودة المشهودة للإسلام في البلاد الإسلامية وانعكاساتها على العلاقات الدولية، وذكر التقرير أن الدول الكبرى عاجزة نظرياً عن مواجهة تيار يزداد نموا ضدها، ويعتزم التطور على حساب نفوذها، وسماه التقرير بـ”الظاهرة الإسلامية الأصولية”. ثم كانت الاستراتيجية الأمريكية للتصدي للإسلام عبر إعادة الاستعمار المباشر للجغرافية الإسلامية، لإعادة رسم خرائطها وإعادة تلغيمها وتفخيخها بالنزاعات المحلية والصراعات الطائفية والمذهبية، عطفا على نهب ثرواتها. فغزت أفغانستان للنفاذ عبرها إلى منطقة أوراسيا وبلادها الإسلامية الغنية بمصادر الطاقة والمواد الأولية، وغزت العراق للتحكم في منابع النفطالتي تغذي العالم بالطاقة فيه وفي جزيرة العرب والإقليم. وغزت الصومال للتحكم بأقفال الممرات المائية الإستراتيجية. وكان هدفها هو ضرب الإسلام والسيطرة على أدوات الهيمنة والتحكم التام في شريان الاقتصاد العالمي ثم في خطوط نقله وأقفال ممراته المائية الإستراتيجية، كركيزة لبناء الإمبراطورية الأمريكية وإخضاع العالم لمركز القرار الإمبراطوري الأمريكي.
فكانت حروب أمريكا في الخليج وأفغانستان والقرن الأفريقي حروبا إستراتيجية لعولمة نظامها الدولي. وسوقت إستراتيجيتها لإنشاء لنظام عالمي جديد، واستُخدم مصطلح النظام العالمي الجديد بشكل مكثف في أدبيات السياسة الخارجية الأمريكية وفي خطاب ساستها وإداراتها لترسيخه كحتمية سياسية. ثم اتخذت من الإسلام عدوها الإستراتيجي، وجعلت من محاربته إستراتيجيتها الكبرى لمنح الشرعيةلنظامها الدولي الجديد تحت دعوى محاربة الإرهاب، وجعلت من الجغرافية الإسلامية ساحة لحربها واستعمارها ونهبها لتأمين أدوات الهيمنة لبناء الإمبراطورية.
شَكَّلَ هذا الظرف الدولي الاستثنائي فرصة ولحظة إستراتيجية تاريخية، فكانت الصين في غمرة انشغال أمريكا بمغامراتها العبثية لبناء إمبراطوريتها الموهومة تبني اقتصادها على نحو هادئ ومستمر، وتُطوّر بنيتها التحتية وقدراتها التصنيعية وتبني قاعدتها التكنولوجية، عبر تطوير نظامها التعليمي وتنمية قدرات مراكز البحث والاختبار والابتكار وتقويتها. عطفا على ذلك وفي ظل هزيمة المنظومة الشيوعية وتفكك دول المعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة، ركنت أمريكا إلى تقدير إستراتيجي موغل في الخطأ، مفاده أن جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية سيكون مصيرها كمصير دول المعسكر الاشتراكي وأن التفكك سيطال منظومة الحكم الاشتراكية الصينية، في تجاوز تام لحقيقة الصين من كون منظومتها الهجينة أقرب إلى اشتراكية الدولة الرأسمالية منها إلى اشتراكية الدولة في المنظومة الشيوعية. واستمر هذا الوضع إلى عهد إدارة أوباما التي تنبهت إلى الخطأ الإستراتيجي في التعامل مع الصين.
فأُعيدَ رسم السياسة الخارجية الأمريكية ليتحول مركز ثقلها من الجغرافية الإسلامية إلى آسيا باتجاه الصين، وكان عنوانها “التوجه نحو آسيا”. عندها بدأت تظهر مؤشرات التركيز الأمريكي على الصين في سياساتها الخارجية. وتعد الورقة البحثية التي قدمتها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 حول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه آسيا بداية تحول في الإستراتيجية الأمريكية، فقد دعت فيها إلى زيادة الاستثمار الدبلوماسي والاقتصادي والإستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وفي الشهر نفسه أعلن الرئيس الأمريكي أوباما الإستراتيجية الأمريكية التي أطلق عليها “التحول نحو آسيا”، ودشنها بنشر 2500 جندي من قوات المارينز الأمريكية في أستراليا. وقد قرأت الصين في هذا المستجد محاولة أمريكية لكبح نموها الاقتصادي والسياسي ووجهت انتقادات للخطوة الأمريكية.
واستمر منذ ذلك الوقت تصاعد وتيرة الضغوط الأمريكية تجاه الصين وتعاظم الشد والجذب. ومع إدارة ترامب تفاقمت العدوانية الأمريكية وتحولت إلى حرب تجارية، وكانت لغتها السياسية هي القيود الجمركية والعقوبات، فأصبحت الساحة الاقتصادية بين أمريكا والصين ملغّمة بالإجراءات العدوانية الأمريكية، عبّر عنها بشكل جلي مستشار ترامب السابق ستيف بانون بقوله: “هذان النظامان غير متجانسين، أحدهما سيفوز والآخر سيخسر”. ورأت إدارة ترامب أن الصين تشكل خطرا على أمنها القومي أكبر من ذلك الذي يشكله “الإرهاب الدولي” (الإسلام)، كما جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو. ومنذ ذلك الحين والمحافل الأمريكية إضافة إلى شخصيات بارزة كالمؤرخ والتر راسل لا ينفكون عن الحديث عن “حرب باردة ” مع الصين. فالإستراتيجية الأمريكية تصف الصين بأنها المنافس الذي لديه نية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وأنها تواصل زيادة قواها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحقيق هذا الهدف، لتخرج بذلك عن المنافسة التقليدية التي تنادي بها أمريكا في سوق المصالح الاقتصادية المختلفة التي تضمن بقاء النظام الدولي الأمريكي على حاله.
ثم ظهر قصور الإستراتيجية الأمريكية في تحجيم قوة الصين واحتواء طموحها المتنامي الذي بدأ يشكل تحديا جديا للهيمنة الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. بل ما أخطر أن القوة الصينية استمرت في الصعود والنمو وبوتيرة أسرع، بل توسعت عبر مبادرة طريق الحرير “الحزام والطريق”، وهو مشروع عالمي لبناء بنية تحتية تربط الصين بجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى وروسيا وأوروبا، أي لربط العالم بالسوق الصينية عبر شبكة من المواصلات. وتنامت معها بشكل مطرد قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والدبلوماسية.
ثم كان جواب إدارة بايدن على المسألة الصينية بعد الإخفاق والتخبط الإستراتيجي الأمريكي، أن أعادت تفعيل إستراتيجية الحرب الباردة سعيا منها لإعادة تشكيل العلاقات الدولية والقواعد الناظمة لها بما يخدم استمرار الهيمنة الأمريكية، حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والصين الصاعدة بسرعة من جهة أخرى. فبدأت أمريكا في إعادة إنتاج سياسات الاحتواء السابقة حيال الاتحاد السوفييتي، بالنظر إلى الصين بوصفها مصدر تهديد يجب التعاطي معه، عبر إجهادها بأزمات ومشكلات في الداخل والخارج، وتجفيف مصادر قوتها، وشن حرب ثقافية ودعاية مضادة، والأهم هو عولمة سياسة العداء حيال الصين، أي جعل العالم يتعامل معها بوصفها مصدر تهديد للنظام الدولي الغربي واستقراره.
فتمت إعادة بناء الشراكات والتحالفات، فكانت الاتفاقية الأمنية “أوكوس” في أيلول/سبتمبر 2021، ثم الحوار الأمني الرباعي “رباعية كواد”. والهدف من هذه التحالفات الأمنية كما تم التعبير عنه هو بقاء المحيطين الهادئ والهندي منطقة “مفتوحة حرة”، بمعنى عدم خضوعها لسيطرة الصين وتحكمها، أي الحفاظ على قواعد النظام الدولي الأمريكي كما هي، وكذلك حماية الجغرافية السياسية التي أفرزها هذا النظام.
فالإستراتيجية الأمريكية ترمي لردع الصين عن التوسع في شرق وجنوب شرق آسيا، والحفاظ على الوضع الراهن والقواعد القائمة بما فيها قانون البحار وسيادة الحدود القائمة، وإبقاء الوضع كما هو في بحر الصين الجنوبي والإصرار على حرية الملاحة في المنطقة.
ثم زاد من حدة الصراع الأمريكي الصينيالعامل الروسي، فالكابوس الإستراتيجي الأمريكي هو في التحالف الإستراتيجي الصيني الروسي ومحاولته إحداث تغييرات على القواعد الدولية ومن ثم زعزعة أركان النظام الدولي الأمريكي. وتكاد تكون الرؤية الإستراتيجية الأمريكية أنه لا يمكن معالجة رغبة دولة كالصين أو حتى روسيا في تعديل النظام الدولي الأمريكي من خلال إعطائها صوتا أكبر وسلطة أوسع في وضع القواعد الدولية، لأن في ذلك خطراً على استمرار الهيمنة الأمريكية، وقد تكون إستراتيجية التصدي والمجابهة هي الرد الوحيد الذي تراه أمريكا. والإشكال هو حول طبيعة التصدي ومستواه وكلفته. فكانت الحرب الروسية الأوكرانية شقّا من الإستراتيجية الأمريكية في توظيفها للفخ الأوكراني في حربها الباردة مع الصين، سعيا منها ابتداء لاستنزاف روسيا، عبر إغراقها في المستنقع الأوكراني وتطويقها وعزلها وتحييدها، مرورا بتخريب العلاقة الصينية الروسية، وانتهاء باحتواء الصين وتحجيمها.
إن الصراع القائم اليوم بين أمريكا والصين هو صراع مصالح، وليس صراعا مبدئيا، وإن كانت أمريكا تديره بأدوات الصراع المبدئي الذي كانت تخوضه مع الاتحاد السوفيتي. فالحرب الباردة التي اتخذتها أمريكا سلاحاإستراتيجيا لإدارة صراعها مع الصين هي بدافع استعماري وليس بدافع مبدئي. ومن المعلوم أن أخطر دوافع الصراع هو الاستعمار بجميع أشكاله، وأشرسه الاقتصادي، وهو التكالب والتطاحن على المصالح المادية. فهو مكلف ومستنزِف وعواقبه مدمرة. ومع الخراب الاقتصادي الذي تعانيه الرأسمالية الغربية وديون دولها الفلكية وعلى رأسهم أمريكا وأوراقهم المالية المسمومة وقيمة أسهمهم الزائفة، فإن كلفة التطاحن الاستعماري مع الصين هي الولوج للاستنزاف الماحق.
إذا أضيف إلى ذلك الانتكاسات والتخبط الإستراتيجي الأمريكي، وما طرأ على الساحة الدولية من أزمات حادة على مستوى المنظومة الرأسمالية، فإن هذه الأزمات وخاصة الاقتصادية منها قلصت دائرة المنافع الاستعمارية المشتركة لدول الغرب، فاحتد معها الصراع الاستعماري، ومعه شهدت العلاقات الدولية توترا ملحوظا وتنازعا أكثر من أي وقت مضى. فالعلاقات بين القوى الكبرى اليوم متنافرة ومتنازعة أقرب إلى الصراع منها إلى التحالف.
فخلال العقود الأخيرة عرف النظام الدولي الذي تقوده أمريكا هزات وارتجاجات. شقٌّ منها داخلي متعلق بتعفن المنظومة الرأسمالية وأزماتها الحادة المتتالية والمتسارعة من ثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية، مع فساد وترهل قيادة أمريكا وانشقاقاتها الداخلية الحادة الثقافية والسياسية التي انعكست على الدولة وسياساتها الداخلية والخارجية، والشق الآخر خارجي ينازع أمريكا مصالحها ومرتبتها وهيمنتها ونظامها الدولي، ونعني به الصين وروسيا، وبعض دول أوروبا على استحياء، شعارها السياسي تعدد الأقطاب. لكن الأخطر في الشق الخارجي هو ذلك التهديد الوجودي الذي يمثله الإسلام فهو الأقوى تحديا ونموا في منازعة أمريكا والغرب قاطبة، من حيث فلسفة الحياة ونمط العيش وحقيقة الحضارة وقيادة العالم وسياسة البشرية وخريطة الموقف الدولي.
فالأمة الإسلامية وثلتها المؤمنة الفاعلة النشطة ونواتها الصلبة أصحاب المشروع الحضاري الإسلامي العالمي -ورائدهم حزب التحرير- هم من ينازعون أمريكا والغرب. لا ينازعونها على القيادة فحسب، بل على الوجود الحضاري للغرب ذاته. فالجغرافية الإسلامية وإسلامها الكامن والمتجذر والذي استعاد حيويته، هي العقدة الإستراتيجية الكبرى والعقبة الكأداء والتحدي الأكبر للغرب ودوله، بعد أن صار الإسلام من حيث هو البديلالحضاري، وبنواة تغييره الصلبة الثلة المؤمنة الواعية المخلصة النشطة وأمته المتأهبة والمتحفزة رقما صعبا في المعادلة الدولية السياسية، والتحدي الحضاري الوحيد للمنظومة والحضارة الغربية والنظام الدولي الغربي.
وعليه فثمة عاملان رئيسان يشكلان تهديدا حقيقيا للنظام الدولي الأمريكي؛ عامل انقلابي جذري مميت، وهو الأقوى عزما، وهو مشروع الأمة الإسلامية الإستراتيجي وكيانها الجيوستراتيجي، أي خلافتها الثانية والزلزال الإستراتيجي الذي سوف تحدثه على مستوى الموقف الدولي والعلاقات الدولية، وعامل آخر مستنزِف يتمثّل في العلاقة مع الصين وروسيا. هذا الوضع الجيوستراتيجي جعل أمريكا تقر على مضض بأن نظامها الدولي لما بعد الحرب لا بد له من تعديل. وقد شكلت الورقة البحثية لمعهد راند لسنة 2017 اعترافا ضمنيا بذلك، فجاءت تحت عنوان “خيارات بديلة للسياسة الأمريكية نحو نظام دولي”. وكانت موجهة إلى مكتب وزير الدفاع. وقد أقرت ضمنا بمحدودية النظام الدولي القائم إن لم تقل تردّيه، ولكنها لم تأت بجديد، ولم تنشئ جديدا إستراتيجيا، بل غلب عليها الطابع الأكاديمي التنظيري، جاء فيها: “قضى منهجنا في تحديد رؤى بديلة للنظام، جمع حججا قائمة حول كيف قد تكون قواعد النظام المستقبلية أو يجب عليها أن تكون، ولقد استقينا من الدراسات الأكاديمية وتلك المتعلقة بالسياسات الموجودة حول النظام الدولي، إلى جانب التحليل التاريخي للأنظمة الدولية السابقة”. وهكذا لم تخرج الدراسة بحل للمعضلة الإستراتيجية الأمريكية.
وذهب وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر إلى أبعد من ذلك وصرح “أن العالم في حالة فوضى وأن الولايات المتحدة تواجه مشكلة كيفية إنشاء نظام عالمي”. والحقيقة أن المعضلة الإستراتيجية الأمريكية أبعد من مشكلة الكيفية، بل تتعداها إلى إفلاس وفشل وعقم العقل الغربي عن التوليد والإنشاء الفكري، وهو اليوم غارق في اجترار ماضيه حتى يصل إلى حتفه الحتمي.
يضاف إلى ذلك إخفاقات الإستراتيجيات الأمريكية المتعاقبة مع أزمات أمريكا الاقتصادية الحادة، وديونها الفلكية الساحقة، واقتصادها المترهل، وإفلاس ميزانيتها ودولاراتها المطبوعة السامة، والفوضى السياسية الداخلية جراء انقسامها وانشطارها الحاد عموديا وأفقيا. فالمفارقة عجيبة بين أمريكا الخمسينات في مواجهة الاتحاد السوفيتي وبمخزونها الاحتياطي العالمي من الذهب وأمريكا اليوم المفلسة في مواجهة الصين. فالبون شاسع بين حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي وحربها المتجمدة مع الصين. والحرب الباردة مع الصين تكاد تكون جعجعة بلا طحن. علق على هذا التخبط الإستراتيجي الأمريكي الباحث في معهد الأبحاث الآسيوية كيشورمحبوباني بالقول: “إن الولايات المتحدة قررت البدء في منازلة الصين من دون صوغ إستراتيجية مفصلة حول الكيفية التي ستدير بها هذه المنازلة أولا، إن هذا أمر صادم فعلا”.
فالعقدة والمعضلة الصينية تجعل من الاستنساخ الإستراتيجي الأمريكي تشوها إستراتيجيا. فالحرب الباردة مع الصين تختلف كليا عن نظيرتها مع الاتحاد السوفياتي الشيوعي، فالصراع حينها كان ذا بصمة أيديولوجية مطبوعا بعلاقات شبه منعدمة وتجارة صفرية وعلاقات اقتصادية مقطوعة، بينما الصراع الأمريكي الصيني هو من داخل المنظومة الواحدة، وطبقا لقواعدها الرأسمالية وطرائقها الاستعمارية، حتى ولو كانت الصين تعاني تشوها أيديولوجيا، لكنها حتما ليست ماركسية شيوعية، بل سوق رأسمالية يديرها حزب هجين ذو مسحة إدارية شيوعية، وذو شكل من أشكال الاشتراكية الرأسمالية، تتظهر بشركات عامة وخاصة تابعة للنخبة الحزبية المسيطرة والتي تمثل الطبقة الرأسمالية الصينية. هذا الوضع يتسم بتجارة كثيفة بين كل من أمريكا وأوروبا مع الصين، الأمر الذي يجعل القطيعة التامة وتقليص جميع التجارة مع الصين أمرا مكلفا للغاية للجانبين وحرب استنزاف للطرفين، ما يجعل الحرب التجارية محفوفة بمقامرات خطيرة تكون ارتداداتها مدمرة في ظل الأزمات الحادة للاقتصاد الرأسمالي والأمريكي تحديدا مع ديون أمريكا الفلكية.
كما أن ورقة القيود الجبائية والعقوبات الأمريكية على البضائع الصينية، وتقليص “سلاسل توريد” الصناعات الأمريكية في الصين لها انعكاساتها السلبية على الاقتصاد الأمريكي، فنظرية تحويل سلاسل التوريد الأمريكية صوب الهند تقف دونه عقبات عملية مستعصية لا يمكن تجاوزها، أقلها كلفتها الباهظة. كما أن مشروع الممر الهندي الأوروبي الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بايدن أواخر سنة 2023 من حيث هو مشروع منافس لمبادرة الحزام والطريق والذي تجاوز حجمُ الاستثمارات فيها 1000 مليار (تريليون) دولار هو مشروع مستنزِف. فسباق الممرات شبيه بسباق التسلح الذي استنزف الاتحاد السوفياتي وأنهكه. لكن دائرة الاستنزاف اليوم على أمريكا. فالصراع الأمريكي الصيني ليس عامل استنزاف لأمريكا فقط، بل لطرفي الصراع بحكم العلاقات الشديدة والتشابك على المستوى الاقتصادي والتجاري والمالي والتقني بين أمريكا والصين. بل يتعدى الاستنزاف إلى المنظومة الرأسمالية الغارقة في الأزمات والديون والمال الوهمي السام.
أما العامل الحاسم في إفناء المنظومة الغربية فلسفةً وحضارةً وأنظمة، ودولًا فهي خلافة الإسلام التي يعيش العالم إرهاصات انبعاثها. فالساحة الدولية اليوم تعرف اهتزازات ورجات كبرى،هي مقدمات لزلزال جيوستراتيجي عظيم. دائرة هذه الاهتزازات الكبرى هي الجغرافية الإسلامية، وبؤرة انفجارها العظيم هي الشام وأرضها المقدسة، فهي اليوم مكمن التحدي الوجودي الأكبر للغرب، والتهديد بعودة الإسلام للساحة الدولية والقيادة والريادة، ما يعني فناء الغرب حضارةًوكيانًا سياسيا. فلقد شكلت ثورة الشام بركانا جيوستراتيجيا، تحدى كل المكر والكيد والهمجية والوحشية التي نهجها الغرب في محاولة وأد الثورة وطمس إسلاميتها لقرابة عقد ونصف. فلقد شكل الإسلام بوتقة لصهر ثورة الشام، فتجلى المشروع الحضاري للإسلام والقضية المصيرية للمسلمين في إقامة دولة إسلامهم لاستئناف حياتهم الإسلامية واستئناف حمل رسالتهم إلى العالم. ثم أحدث بركان ثورة الشام ما كان يخشاه الغرب من إسقاط نظام السفاح العميل تحت ضربات الثوار العقائديين، وليس طبقا لمخططاته في استبدال عميل بعميل بمكر خبيث سلس، بل انهار النظام منظومةً وسفاحًا وجيشًا وأنظمة وأجهزة ووسطا سياسيا وانتهازيين وأشياعا. والغرب اليوم يستميت في ملء هذا الفراغ الجيوستراتيجي الاستعماري الخطير بأصحاب لحى وظيفيين. ولكن بركان ثورة الشام ما زال ملتهبا، ولن يخمد إلا بحصاد الاستعمار وإقامة دولة الإسلام.
ثم في الشام وأرضها المباركة، وتحديدا من غزة هاشم، كان طوفان الأقصى، وكان بحق كتسونامي جيوستراتيجي؛ فإستراتيجيا طوفان الأقصى كان اختبارا حقيقيا لكيان يهود ولقاعدة الغرب الإستراتيجية الأولى في قلب الجغرافية الإسلامية، ويكاد يكون اختباره الحقيقي الأول. فمنذ زُرع هذا الكيان القاعدة لم يتعرض لزلزال إستراتيجي بحجم طوفان الأقصى وقوته، فقد طُبخت للكيان القاعدة حروب مصطنعة لتركيزه وفرضه كواقع، تخللتها حالات تفلّت جد نادرة،كمعركة الكرامة، ولكنها انفلاتات من داخل السياق والنسق السياسي والعسكري المفروض على المنطقة والإقليم. لكن طوفان الأقصى هو حالة إستراتيجية فريدة في فلسفتها ومادتها وإنسانها، فهي من خارج السياق والنسق. بل هو إستراتيجيا مناقض ومعادٍ للنسق والسياق الغربيين، وهو صنيعة عدو وجودي يعتبر إستراتيجيا العدو الأول والأخير للغرب، إنه صنيعة الإسلام، فهو جهاد ثلة عقدية مؤمنة، ما جعله تهديدا إستراتيجيا وجوديا. وزاد من خطورته أن القوة التي تحدت الغرب في كيانه وقاعدته هي عصابة عقدية مؤمنة، قِواها المادية أقل بكثير الكثير عددا وعُدة من كتيبة في جيش. وهذه العصابة العقدية المؤمنة أعدت ما استطاعت مع شح المستطاع وقسوة الحصار وشديد خيانة حكام الدار وتربص ألد الأعداء، ثم توكلت وعزمت وأبرمت وأنجزت وأذهلت وزلزلت الكيان القاعدة، وفضحت حقارته، وعرّت جبن عساكره وخورهم. وقد جاوزت حرب غزة كل سقوف الإجرام. وها هو خارقٌ ثباتُ أهلها وصمودُهم، واستبسال مجاهديها المنقطع النظير لقرابة خمسمائة يوم، في مواجهة حلف صليبي صهيوني بيده كل أسباب القوة المادية. وهذا الفعل الإستراتيجي العظيم أسّس إستراتيجيا للتصور المستقبلي للضربة القاتلة لإفناء الكيان القاعدة وهدم صنم الغرب.
هذان الحدثان العظيمان في تاريخ هذه الأمة أحدثا رجة جيوستراتيجية كبرى في الساحة الدولية،وشكَّلا تحولا إستراتيجيا دفع أمريكا لإعادة فرز أوراقها الجيوستراتيجية وإعادة ترتيب الأولويات، بعد أن كان التفكير الإستراتيجي اتخذ منحاه في التركيز على الصين كأولوية. فمع طوفان الأقصى وحرب غزة وسقوط نظام سفاح الشام الاستعماري في قلب بلاد المسلمين، أصبحت الحرب الروسية الأوكرانية ثانوية هامشية، رغم خطورتها وأهميتها الإستراتيجية في المسألة الصينية، وخفتَ صوت الصراع مع الصين، وعادت أمريكا والغرب إلى معادلة هنتنجتون والصراع الحضاري الدامي مع الإسلام، واستعادت حرب الغرب الصليبية مع الإسلام شراستها وكانت حرب غزة ترجمتها.
ولما كان الإسلام ومشروعه الحضاري هو العدو الأصيل للغرب وحضارته، كانت الحرب على الإسلام دائرة على مدار السنين والأيام، تختلف وتتنوع أساليبها، لكن لا تنطفئ نارها، وكان الإسلام موضوع كل الإستراتيجيات الغربية وهدفها الرئيس. يقول نيكسون في كتابه “الفرصة السانحة” الصادر عام 1992، مصورا نظرة الساسة الغربيين إلى الإسلام والمسلمين: “إن الإسلام والغرب عالمان لا يلتقيان أبدا، لأن الإسلام يعادي كل من لا يؤمن به، وعلى الغرب أن يعمل دوما على مواجهته”. ومع استعادة الإسلام حيويته طفت تلك العدائية الغربية إلى السطح، وانفجر معها ذلك الحقد الأسود الصليبي، وتجددت معها الإستراتيجيات الغربية في حرب الإسلام لمنع عودته، وتصدرت أمريكا المشهد. وكانت لحظة انهيار الشيوعية وسقوط معسكرها ودولتها الاتحاد السوفياتي لحظة فاصلة في الحرب على الإسلام، والإعلان السافر عن ذلك عبر تصريح سكرتير حلف شمال الأطلسي ويلي كلاس فور انهيار الاتحاد السوفياتي من أن الإسلام هو العدو الإستراتيجي للغرب بديلا من الشيوعية. وتوالت التصريحات وإعلانات الحرب الكونية ضد الإسلام، فكان تصريح الجنرال جون كالفن القائد الأعلى لقوات الحلف الأطلسي: “لقد ربحنا الحرب الباردة وها نحن نعود إلى الصراع القديم، إنه صراع المجابهة الكبيرة مع الإسلام”. ثم في منتدى الشؤون الأمنية الدولية المنعقد في ميونيخ عام 1991 رفع ديك تشيني وزير الحرب الأمريكي في عهد بوش الأب شعار “الإسلام العدو البديل”. وفي عام1993 دعا رئيس مجلس النواب الأمريكي نيون جينجرتيس المجلس إلى وضع إستراتيجية كاملة لمحاربة “التوتاليتارية الإسلامية”. ثم بعدها كان تصريح بوش الصغير حين إعلانه حربه الوحشية على المنطقة الإسلامية واصفا إياها بالحرب الصليبية المقدسة للقرن الحادي والعشرين.
فالإسلام هو الكابوس المفزع للغرب، وديناميته وحيويته قضّت مضاجع الإستراتيجيين الغربيين وأفنت أعمار ساسته. والفزع الأكبر من عودته هو المحرك الرئيس لما أُدخل من تعديلات على المهام الأمنية لحلف شمال الأطلسي وتوسعة جغرافية فعله وحركته، منذ قمة بروكسل عام 1993 والتي جرى تثبيتها في قمة واشنطن عام 1999. وكان ذلك الفزع الأكبر من عودته سببا في تناسل النظريات والرؤى الفكرية والسياسية في محاربة الإسلام، وكانت في الصدارة مدرسة المحافظين الجدد التي تغذت على أفكار المستشرق اليهودي الحاقد برنارد لويس، وتبنت نظرية القوة العسكرية والتصميم على استعمالها في رسم العلاقة مع الجغرافية الإسلامية، وكان التركيز في المرحلة الأولى على الشرق الأوسط، أي المنطقة العربية، بوصفها مركز الثقل للإسلام العالمي بحكم حملها للسان القرآن العربي ولسان سنته وثقافته، ما يمثل التهديد الوجودي لأمريكا والغرب. فكانت حروب إدارة بوش الأب وإدارة بوش الصغير ترجمة لرؤية المحافظين الجدد، فطُبعت هذه المرحلة بشعارات الشرق الأوسط الكبير ونشر الديمقراطية والحرية. ثم مع بوش الصغير وحروبه الوحشية والإستراتيجيات الدامية في غزو المنطقة الإسلامية ظهرت مصطلحات محاربة الإرهاب والتطرف العنيف. وبعد أن اصطدمت بجدار النضالية الإسلامية والكفاح العقائدي لأبناء المسلمين برزت مصطلحات حرب الأفكار ومحاربة التطرف. ثم كانت المرحلة الثانية مع إدارة أوباما بعد فشل إستراتيجية القوة المتوحشة للمحافظين الجدد، فكانت إستراتيجية القوة الناعمة للديمقراطيين في إدارة أوباما وإستراتيجية القفازات لإخفاء دموية الوحش الأمريكي، فكانت خطابات الرئيس الأمريكي أوباما المخادِعة في القاهرة وأنقرة للتبشير بنهج جديد في العلاقة مع المنطقة الإسلامية. وبأسلوب ناعم لإدارة الحرب على الإسلام أعلن أوباما في أيار/مايو 2014 تقديم بلاده خمسة مليارات دولار لإنشاء صندوق لمكافحة الإرهاب ودعم مواجهة التطرف حول العالم. وعرض في خطابه الذي ألقاه في قاعدة “ويست بوينت” العسكرية خطط سياسته الخارجية، وشدد على ضرورة تفعيل أدوات أخرى، منها الاقتصادية وفرض العزلة والعقوبات واللجوء إلى القانون الدولي. لكن سرعان ما اكتشف محدودية إستراتيجية القفازات، فعادت الوحشية الدامية وعسكرية الضربات بالطائرات المسيرة التي غطت سماء المنطقة وحولت أرضها إلى أهداف عشوائية للوحش الأمريكي. فكانت انتفاضات الربيع العربي في المنطقة العربية للبلاد الإسلامية الرد الصاعق على الإدارة الأمريكية والدليل الفاضح لفشل إستراتيجية الديمقراطيين والبرهان الساطع على دينامية الإسلام وكفاحية عقيدته ونضالية أمته.
ثم كانت المرحلة الثالثة مع إدارة ترامب الذي أعلنها صريحا فصيحا حربا على الإسلام، ورفع الأستار عن حرب الغرب الصليبية ضد الإسلام، والتي كانت كل من إدارة بوش وأوباما حريصتين على التعمية عليها بمصطلحات ضبابية كمحاربة الإرهاب ومكافحة التطرف العنيف. أما إدارة ترامب فحرصت على تسمية الأمور بأسمائها، وكشف الخبيئة التي كان أفصح عنها الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك بالقول: “إن حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب كانت حربا على الإسلام”. وكانت خطابات ستيفن بانون ومايكل فلين وغيرهم من ساسة إدارة ترامب ذات نفس صليبي حاقد جلي وواضح. فمستشار الأمن القومي لترامب وصف الإسلام بأنه سرطان. أما ترامب فقد انتقد أوباما لعدم استخدامه عبارة “الإرهاب الإسلامي المتطرف”. فكانت الشام وثورتها المباركة هي الرد العملي والترجمان الساطع لطود الإسلام العظيم في كفاحه ونضاله والذي تحطمت عليه إستراتيجيات أمريكا المتعاقبة. ولحقت إدارة ترامب في فشلها الإستراتيجي بالإدارات السابقة. ثم كانت إدارة بايدن وانسحابها المخزي من أفغانستان وإعادة اجترار سياسة أوباما في توكيل المنطقة لكبار مجرميها من الحكام العملاء الخونة مع رفع سقف إجرامهم، عبر إعادة تعويم كبير السفاحين في دمشق الشام،في رسالة من أمريكا والغرب بأن الحفاظ على الوضع الاستعماري الراهن ثمنه الوحشي الدامي لا سقف له. وكل ذلك الإجرام الأسود كان مصحوبا بحرب فكرية صليبية، استعاد فيها الغرب كل أدوات استشراقه الصليبي، ونفض معها الغبار عن ملفات مستشرقيه الصليبيين الحاقدين ليجتر هرطقاتهم وسفاسف آرائهم.
أما حرب الأفكار البائسة فقد تحولت إلى شعوذة فكرية وتفحش ثقافي. فمعضلة الغرب الحضارية في إفلاسه الفكري وفشله الحضاري الفاضح الصارخ في مواجهة منظومة فكرية مكتملة الصنعة تامة البناء فريدة التصميم، جعلته يخبط خبط عشواء في مواجهة تحدي عظمة الإسلام وتفوقه الفكري، ما ألجأه إلى الشعوذة الفكرية؛ “إسلام راند الديمقراطي الحداثي” و”شرك الديانة الإبراهيمية لمعهد بلير”، والتفحش الثقافي في تصدير كل الفواحش والقبائح (الجندر، الشذوذ الجنسي، سيداو…) في محاولة بائسة يائسة لحرف المسلمين عن إسلامهم الحق وإغراقهم في مستنقع حياته المتفحشة. لكن المناعة العقائدية لهذه الأمة العزيزة والمعتزة بإسلامها أرهقته، فنضالية هذه الأمة وكفاحيتها ضد سيداو والشذوذ الجنسي بلغ صداه حتى بلاد الغرب.
أما عن جوهر الحرب الصليبية الغربية في شقها الأمني والأيديولوجي فكان في القضاء على الفكرة الإسلامية في الحكم، وعلى وحدة الأمة الإسلامية، وعلى حمل الإسلام إلى العالم وما يصطلح على تسميته بالإسلام السياسي. فهذه القضايا الإستراتيجية الكبرى الثلاث هي صلب الصراع الحضاري القائم، لكن أمريكا والغرب صُدموا بتجذر الفكرة الإسلامية وصلابتها الفريدة، وصدمتهم تزداد وطأة وهميرون الوتيرة المتسارعة لنمو الفكرة الإسلامية ونضج الرأي العام على الحكم بالإسلام والوحدة على أساسه، وتطلع أبناء المسلمين لأمجاد خلافتهم ولمّ شعثهم وتوحيد كلمتهم وحمل دعوة الإسلام العظيم إلى العالم لإخراجه من ظلمات جاهلية الحضارة الغربية وفحمة فلسفتها وعدمية حياتها.
فلقد انتهت الإستراتيجيات الأمنية والعسكرية والثقافية الأمريكية إلى فشل ذريع في كسر عزيمة هذه الأمة وثنيها عن مشروع إسلامها الحضاري العظيم، بل لقد أدت إلى عكس أهدافه؛ بأن اشتد عود هذه الأمة وصمودها وإصرارها، وانكشف لها أعداء الخارج والداخل، وتقوت عزيمتها في التحرر من قيود الغرب، وعظمت ثقتها بإسلامها العظيم. بل بدأت الأمة في خوض معاركها العقدية من أجل قضاياها المصيرية، ترجمتها ثورة الشام وجلال ندائها “هي لله هي لله” و”لن نركع إلا لله”، وسمو وعي أهلها السياسي على مكر عدوهم الأصيل الكافر المستعمر، وهتافهم المدوي “أمريكا، ألم يشبع حقدك من دمائنا؟!”، وتحت ضربات الثائرين العقائديين انهار نظام السفاح في سابقة ثورية، وانهار معها نظام وظيفي للاستعمار، وترك فراغا إستراتيجيا أصبح معه المشروع الإسلامي والاستعمار وجها لوجه.
كما كان طوفان الأقصى وحرب غزة معركة عقائدية، ومن تلك الخوارق التي تصنعها عقيدة الإسلام في النفس البشرية وصيرورة تاريخ البشر. فكانت مبادرة المجاهدين وعزمهم وجرأتهم وتحديهم في طلب عدوهم واقتحام أسواره ودك تحصيناته والنكاية قتلا وأسرا بضباطه وجنوده وقطعان مستعمريه، وهم قلة القلة ليس لهم من عتاد وعدة وموارد الجيوش معشار العشر، ثم بعد هذا خارق ثباتهم وصمودهم واستبسالهم المنقطع النظير لقرابة 500 يوم في مواجهة حلف صليبي صهيوني بيده كل أسباب القوة المادية، وهم لا يفتُرون ولا يجزعون ولا ينكسرون، بل يجددون ويبدعون، رغما عن الهمجية والوحشية الصليبية الصهيونية المنقطعة النظير. بل وزاد من عظمة المعركة الصاعقة الحضارية ما أحدثته حرب غزة داخل المنظومة الغربية نفسها، فقد كانت انتفاضة معاقل اللاهوت العلماني “الجامعات” زلزالا حضاريا مدويا هز أركان المنظومة الغربية وأسسها في عقر دارها!
فهذه القوة العقائدية للأمة الإسلامية قضّت مضاجع الغرب، وأفزعت ساسته، وأيقظت كل كوابيس دوائر فكره وسياسته وعسكريته. ثم إن هذه القوة العقائدية في الأمة الإسلامية تتوسع وتتمدد وتتجذر، وكل خشية الغرب وفزعه من تركزها. والشام اليوم تحيا إرهاصات خلافتها، فبلاد الشام كل الشام مع أرضها المباركة تغلي من شدة حرارتها، بل قد بلغت مستواها الحرج، ما يفسر هذه الوحشية والهمجية والإبادة المنقطعة النظير، سواء في مواجهة ثورة الشام المباركة وعظيم إنجازها أو في التصدي لمجاهدي الأرض المباركة وغزة عزها.
وهذاالفشل المدوي في الحرب الحضارية ضد الإسلام بات حديث المفكرين والساسة والإستراتيجيين في أمريكا والغرب، فهذا الخبير الإستراتيجي الأمريكي أندريوإس.جليمور الذي عمل طوال 32 عاما في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتربست الأمريكية يقول: “الإستراتيجيات التي اتبعتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط طوال العقدين الماضيين قد أسفرت عن أوجه فشل كثيرة”. أما الكاتب البريطاني ديفيد هيرست فيرصد الأخطاء الإستراتيجية الأمريكية لرؤساء أمريكا المتعاقبين في المنطقة الإسلامية، فيقول في تصريح له سنة 2021: “أي خطأ إستراتيجي أمريكي ترتكبه الولايات المتحدة سيكون خطأها الأخير، بل وخطأ أوروبا الغربية الأخير أيضا”. ولقد كان الانسحاب المهين من أفغانستان كاشفا فاضحا لفشل الإستراتيجية، حتى إن تعليل موقع الخارجية الأمريكية لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان كان مثيرا للاهتمام، جاء فيه: “إن خطر الخلافة قد تشعب وتوزع في بلدان إسلامية كثيرة من آسيا وأفريقيا” (موقع وزارة الخارجية الأمريكية، 16/08/2021)، بمعنى أن الجغرافية الإسلامية باتت كلها تهديدا نشطا للمنظومة الغربية واستعمارها. بل إن الفكرة الإسلامية بوصف عالميتها تجاوزت حدود الجغرافية الإسلامية إلى الغرب وباقي العالم. والحركة الفكرية في الغرب خير شاهد، بل حتى الحركة السياسية، على الرغم من كون الفكرة الإسلامية اليوم منفصلة عن طريقتها الشرعية الفاعلة ومقطوعة من أدواتها العملية التنفيذية، ورغم ذلك يُرى أثرها في اعتناق جموع أبناء الغرب للإسلام والنقاش الفكري حول الإسلام في الأوساط الأكاديمية، والجدال السياسي في الأوساط السياسية ومراكز الحكم والقرار، فحملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة كان موضوعها الرئيسي “الانفصالية الإسلامية”.
فقوة الفكرة الإسلامية وصلابة تجذرها في الداخل الإسلامي وتمددها وتوسعها في الخارج، ألجأت الغرب لدخول عرين الأسد وفرضت عليه اقتحام دائرة الفكر والثقافة الإسلامية، فالنقاش اليوم هو داخل دائرة الإسلام، أما المنظومة العلمانية الغربية فباتت متجاوَزة، والصراع اليوم هو بين إسلام رب العالمين وشعوذة الغرب الفكرية وهرطقات إسلام راند وشرك الديانة الإبراهيمية.
فإفلاس الغرب الفكري وفشله الحضاري ترجمه القمع والإكراه والإرهاب الفكري الممارس على المسلمين عبر ترسانة من القوانين العلمانية الجائرة في بلاد الغرب وحواضره الاستعمارية في المنطقة الإسلامية، ثم التوحش الدامي قتلا وتعذيبا وتنكيلا وتشريدا وسجنا لأبناء المسلمين، كل هذا الإجرام الأسود الغربي يجابه بصمود أسطوري وكفاح عقائدي فريد من الأمة الإسلامية بقيادة ثلتها المؤمنة الواعية المخلصة النشطة.
هذا هو حصاد ثلاثة عقود من الإستراتيجية الأمريكية الغاشمة لمواجهة الإسلام تحت كذبة محاربة الإرهاب والتطرف حينا ومحاربة الإسلام صراحة مع إدارة ترامب، من تسعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا. والمحصلة غليان بركان الجغرافية الإسلامية الحارق وتحفز أمة الإسلام وتحينها ساعة الصفر للتحرر من الغرب ومنظومته واستعماره وأذنابه من حكام العمالة والخيانة والعار، وقد أوشكت اللحظة على تمام كل أشراطها لتحقيق بشارة النبي ﷺ في إقامة خلافة الإسلام الراشدة الثانية والحكم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولم شعث أمته واستئناف حياتها الإسلامية واستئصال عفن الحياة العلمانية الغربية التي فرضت عليها قرنا من الزمن، وتحقيق وحدتها واستجماع قوتها واستثمار طاقاتها وتركيز حركتها وجهودها لاستعادة قيادتها وريادتها للعالم، وانتزاع القرار الجيوستراتيجي ثم حمل نور الإسلام وهدايته ورشده وفضيلته إلى العالم لإنهاء المسألة الغربية واجتثات حضارة الغرب الشاذة الملعونة وتطهير العالم من دنسها وسقيم فلسفتها وخبيثها وظلم أنظمتها وجورها.
هذه أهم إرهاصات التحولات الكبرى التي بدأت تظهر ارتجاجاتها على النظام الدولي الأمريكي وتقض مضجع السياسيين والقادة الأمريكيين. ومصدرها في الدرجة الأولى الجغرافية الإسلامية وبديلها الحضاري الإسلامي الجذري الانقلابي والعالمي والذي بات قاب قوسين أو أدنى من انبعاث نور خلافته. فالإسلام وبديله الحضاري الجذري الانقلابي وخلافته الراشدة الثانية هو التحدي الوجودي الوحيد لمنظومة الغرب وحضارته ونظامه الدولي. فالمعادلة الإستراتيجية اليوم والمقطوع بها يقينا أن الإسلام بما هو بديل حضاري لقيادة العالم يتقدم بخطوات ثابتة راسخة متنامية، ليستعيد من جديد قيادته وريادته الأصيلة والفريدة والراقية، ويعيد رسم خرائط الموقف الدولي وهيكل العلاقات الدولية، ويضع قواعد السياسة الدولية من جديد على أسس عدل الإسلام ورحمته، بعد تحرير أمته وانعتاقها من قيود الغرب. وهي مسألة وقت، تليها القضية الإستراتيجية الكبرى في نسف النظام الدولي الغربي برمته وإنهاء المسألة الغربية وتحرير العالم بالإسلام منها إلى الأبد.
والقضية الإستراتيجية في الجغرافية الإسلامية اليوم متوقفة على انتصار واحد فقط لتتهاوى كل أحجار البناء الاستعماري. فإقامة دولة الإسلام نواة دولة الخلافة وتركز الحكم الإسلامي في أي نقطة من الجغرافية الإسلامية هو بمثابة مركز لبؤرة الزلزال الجيوستراتيجي الذي سيطال كل الجغرافية الإسلامية وينسف معها الاستعمار الغربي ومنظومته وأنظمته ومؤسساته في الداخل الإسلامي لتطال بعدها الخارج والعالم أجمع، وقد لاحت بشائر دولة الإسلام خلافته الثانية الراشدة على منهاج النبوة في الأفق.
ويكأن الحالة الأمريكية الصينية والصراع القائم المستنزِف اليوم وتعفن المنظومة الغربية الرأسمالية المهيمنة وإفلاسها الحضاري وانحطاطها القيمي وتأهب الأمة الإسلامية وكفاحيتها العقدية المنقطعة النظير وغليان الشام المبارك وقيادة ثلتها المؤمنة الواعية المخلصة النشطة صاحبة التصور والمشروع الحضاري الإسلامي والرؤية الإستراتيجية لتغيير الوضع الاستعماري والموقف الدولي، ورائدها حزب التحرير، ويكأن أشراط الخلافة الراشدة الثانية قد اكتملت وفجر نور الإسلام العظيم وبديله الحضاري العالمي لاح في الأفق ونصر القوي المتين لعباده المتقين على الأبواب. وقد آن لهذه الأمة الإسلامية أن تنبعث حقيقتها العظمى مرة ثانية، خلافة راشدة على منهاج النبوة لتستأنف حياتها الإسلامية وتحمل دعوتها للإسلام إلى العالم لتحريره من ظلمات جاهلية الغرب، وهي لا بد كائنة بإذن الله فهي وعد من لا يخلف وعده سبحانه وبشرى الصادق الأمين ﷺ، ويكأن ساعتها قد أزفت. «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».
2025-04-02