تهاوي الرأسمالية واقتراب سقوطها
23 ساعة مضت
المقالات
94 زيارة
محمد ك. صادق
إن الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم حاليا تنبئ بأنها ستؤدي قريبا إلى تغييرات كبيرة. وأحد هذه التغييرات الكبيرة هو انهيار الحضارة الغربية من حيث هي نظام عالمي قائم على المبدأ الرأسمالي. والانحدار الاقتصادي العالمي الذي يتسبب بأزمة يعتقد أنه سيعجل انهيار هذا النظام، وبخاصة أن الأزمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضا أزمات الثقة والسياسة والاجتماع.
والحضارة إنما ستبقى وتستمر في الوجود إذا كانت قادرة على حل مشكلات الحياة البشرية. ولكن إذا كان العكس هو الحقيقة، أي أن الحضارة تؤدي إلى الكثير من الأضرار والمعاناة، فإنها ستُهمل وتترك، وستنتهي في النهاية إلى الانهيار والزوال.
وكتابThe Self-Devouring Society: Capitalism, Narcissism, and Self-Destruction (المجتمع المدمر لذاته: الرأسمالية والانفصالية والتفكك الذاتي) الذي ألفه أنسيلم جابي (2022) يقدم صورة واضحة عن أضرار الرأسمالية. الكتاب يستكشف كيف تدفع الرأسمالية المعاصرة المجتمع نحو حالات تؤدي إلى تدمير الذات. يستخدم جابي أسطورة يونانية عن إريسيخثون (Erysichthon)، الذي كان ملكا جائعا حتى أكل نفسه. هذه الأسطورة تعد استعارة لوصف كيفية تحول الرأسمالية للأفراد إلى انفصاليين وتحفيز السلوكيات التي تدمر النظام الاجتماعي.
وتقدم شوشانا زوبوف (2019) تحليلا لأضرار الرأسمالية من خلال كتابها The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (عصر الرأسمالية الرقابية: المعركة من أجل مستقبل بشري على الحدود الجديدة للسلطة). يكشف الكتاب عن حقائق مختلفة حول استغلال حقوق الفرد من قبل الشركات الرأسمالية العملاقة. يتعاون الحكام والرأسماليون لجمع الأرباح الاقتصادية لصالحهم الشخصي، وليس لصالح الشعب.
الحضارة الغربية بنظام الرأسمالية وتحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد أوجدت الكثير من المعاناة والكوارث الإنسانية الناجمة عن النظام الذي يطبقونه. الرأسمالية العالمية أثبتت فشلها في معالجة الكثير من المشكلات الإنسانية، مما أدى ذلك إلى الأضرار المختلفة، في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخلقية والسياسية وغيرها.
الأضرار في الجانب الاقتصادي
إن السبب الرئيس لفشل الرأسمالية العلمانية باعتبارها مبدأ هو تعارضها مع فطرة الإنسان وعقله السليم. هذا المبدأ يرى الإنسان مركزا للكون. في النهاية، النظام الاقتصادي الرأسمالي يؤدي إلى استغلال الإنسان وانفصاله، مما يؤدي إلى الاهتمام الشخصي.
الحضارة الرأسمالية أثبتت أنها تسبب الكثير من الكوارث والمعاناة البشرية. ومن المشكلات الرئيسة فيها زيادة الفجوة الاقتصادية بين الطبقة الثرية والطبقة الفقيرة. غير أن تلك الفجوة في الدخل ستؤدي حتما إلى ضغوط اجتماعية وسياسية مهددة للاستقرار الاجتماعي.
على سبيل المثال، كما هو مذكور في تقرير صادر عن المنظمة البريطانية “أكسفام”بعنوان “وقت للرعاية: العمل الرعوي غير المدفوع وأزمة عدم المساواة العالمية”، يشير إلى أن الفجوة الاقتصادية قد خطت خطوات غير متحكم فيها. حيث يمتلك 2153 مليارديرا في العالم ثروة تتجاوز إجمالي ثروة 4.6 مليار شخص، بينما يمتلك 1% من أثرى سكان العالم أكثر من ضعف الثروة الكلية لجميع سكان الكرة الأرضية (oxfam.org، 2020).
وفقا لدراسة أجريت من قبل بنك كريدي سويس عام 2020، أظهرت أن 1% من سكان العالم الأثرى يمتلكون ما يقرب من 45% من الإجمالي العالمي للثروة. في سياق الدول الغربية، تركز الكثير من هذه الثروة في أيدي الأثرياء والشركات الكبرى. هذه الحقائق توضح أن الرأسمالية قد فشلت في تحقيق الرخاء والعدالة الاقتصادية، بل على العكس، أدت إلى العديد من الانحرافات والفوارق التي تنتهي إلى المعاناة.
أظهر استطلاع غلّوب الذي أجري في ديسمبر 2023 أن 68% من الأمريكيين يرون أن الوضع الاقتصادي يزداد سوءا، حيث يرى 45% منهم الوضع الاقتصادي على أنه “سيئ”، ووصفه 33% بأنه “متوسط”، بينما لم يقر إلا 19% بأن الوضع الاقتصادي “جيد”.
لقد قام العديد من الباحثين المحققين بإجراء دراسات حول الفجوة الاقتصادية المتزايدة في الدول الغربية. من بينهم توماس بيكيتي (2017)، الذي نشر نتائج دراسته في كتابه بعنوان Capital in the Twenty-First Century (الرأسمال في القرن الحادي والعشرين). ينتقد الكتاب الفجوة الاقتصادية المتزايدة الناتجة عن نظام الرأسمالية. يقوم بيكيتي بتحليل النمو الاقتصادي على المدى الطويلوتوزيع الثروة والآثار الاجتماعية للفجوة.
الأضرار في الجانب الاجتماعي
المبدأ الرأسمالي العلماني المبني على الليبرالية (الحرية) قد أدى إلى انتشار الأمراض الاجتماعية، وانتشار الجرائم، وتكرارها دون حلول. من بين هذه الأمراض الاجتماعية نمط الحياة الجنسية الحرة، الذي أفسد النظام الاجتماعي للمجتمع. أصدر منظمة RAIIN (www.rainn.org,2023) بيانا أنه في كل 107 ثانية يتم اعتداء جنسي على شخص ما في الولايات المتحدة الأمريكية. وتشير الإحصائيات إلى وجود 293000 مصاب باعتداء جنسي كل عام في تلك البلاد.
كما أن كثرة الانتحارات تعكس حالة اجتماعية مريضة. حيث كشفت الإحصاءات الصادرة عن هيئة مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية (www.cdc.gov) في تقريرها البحثي الصادر في 9 فبراير 2023، ارتفاع عدد حالات الانتحار بين الأمريكيين في عام 2021 إلى 48,183 حالة. وتعادل هذه النسبة 14.2 حالة لكل مائة ألف مواطن أمريكي. وتشير الدراسة إلى أن الأسباب الرئيسة لحدوث الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية تشمل تدهور العلاقات العائلية، والعمل، والمشكلات المالية، والصحة النفسية، وغيرها.
استمرت مشكلة العدمية في الولايات المتحدة الأمريكية في الارتفاع. فوفقا لتقرير التقويم السنوي للعدمية لعام 2023، هناك 20 شخصا بدون مأوى من كل 10 آلاف شخص على المستوى الوطني. والولايات التي لديها أعلى معدل هي واشنطن العاصمة (72 من كل 10 آلاف)، ونيويورك (52 من كل 10 آلاف)، وفيرمونت (51 من كل 10 آلاف).
مستوى القلق من الجرائم والعنف في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2022 كان في أعلى مستوياته مقارنة بالسنوات السابقة. فدراسة غالوب (www.gallup.com) الصادرة في أبريل 2022، أظهرت أن 80% من الأمريكيين يعلنون قلقهم من الجرائم. ووفقا لقاعدة البيانات التي تديرها مجموعة الأبحاث غير الهادفة للربح Gun Violence Archive، هناك على الأقل 130 حادثة إطلاق نار جماعي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية.
مستوى المشكلات الاجتماعية والجرائم المرتفع يشكل مشكلة مستمرة في نظام الرأسمالية. والقوانين المبنية على القوانين البشرية لم تقدم حلولا أساسية. والحقائق حول الأضرار هذه تظهر أن حضارة الرأسمالية مريضة بشكل خطير.
الأضرار في الجانب السياسي
الديمقراطية هي نظام سياسي رأسمالي يرتكز على مبدأ العلمانية. على المستوى العالمي، رُوّج للديمقراطية بوصفها أفضل نظام. ويقال إن الرخاء والرفاهية والمساواة والعدالة ستُحقق من خلال الديمقراطية. كما يُزعم أن النظام الديمقراطي يمكنه آليًا ضمان التوزيع الاقتصادي وتغيير السلطة بطريقة منظمة وسلمية.
ولكن الواقع يخالف هذا الزعم. في الحقيقة، الأشخاص المتحكمون في النظام الديمقراطي هم النخبة السياسية التي تدعي أنها ممثلة للشعب. غير أنهم لا يمثلون إلا حزبهم أو أصحاب رؤوس الأموال الذين يدعمونهم. والدليل على ذلك هو أن الكثير من السياسات والقوانين واللوائح التي يصنعونها تضر بالشعب. ونتيجة ذلك، يستفيد من الرخاء والرفاهية عدد قليل فقط من النخبة الحاكمة والممثلين والأحزاب وأصحاب رؤوس الأموال، بينما يعيش أغلب الشعب في فقر. كما أن المساواة والعدالة في القانون ليست موجودة، بل القانون يصبح قاسيا على الفقير وليّنا مع الغني.
ففي الديمقراطية واضح انحياز النظام لصالح أصحاب رؤوس الأموال. فالهيمنة التي مارستها رؤوس الأموال من خلال آليات الديمقراطية أدت إلى انتشار السياسة المالية والرشوة والتحالف الفاسد والخيانة. كما أن أصحاب رؤوس الأموال والشركات لا يقتصرون على السيطرة على الاقتصاد، بل يتدخلون أيضا في السياسة والسلطة.
يسيطر أصحاب الشركات على الحكومة وسياساتها. جون بيركينز (2005) في كتابه Confession of an Economic Hit Man (اعترافات رجل الأعمال الاقتصادي) يسمي هذا النظام بـ”حكومة الشركات”corporatocracy، وهو نظام حكم يخضع لسيطرة الشركات الكبرى. نتيجة لذلك، تصبح سياسات الدول والقوانين أدوات تخدم مصالح الشركات بدلا من الشعب.
هذه الحقائق حول الأضرار التي تسببها الديمقراطية لاحظها أيضا العديد من الخبراء. ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلاط (2018) كتبا عنها في كتاب How Democracies Die (كيف تموت الديمقراطيات). بينما ديفيد رانسيمان (2018) كتب عنها في كتاب How Democracy Ends (كيف تنتهي الديمقراطية). الكتابان يبحثان كيف يمكن للديمقراطية أن تتدهور وتموت.هم يحللون دور السلطة والفساد والاستياء الشعبي والتغيرات السياسية التي قد تؤدي إلى انهيار النظام الديمقراطي.
السلطة عند الرأسمالية
الهيمنة التي مارستها رؤوس الأموال من خلال آليات الديمقراطية أدت إلى انتشار الرشوة والتحالفات الفاسدة والخيانة. كما أن أصحاب رؤوس الأموال والشركات لا يقتصرون على السيطرة على الاقتصاد، بل يتدخلون أيضا في السياسة والسلطة فيشكلون شبكات الأوليغاركية. لذلك هم يستطيعون التأثير على سير الحكومة وسياساتها.
جيفري أ. وينترز (2011) من خلال كتابه Oligarchy: Ancient Lessons for Global Politics (الأوليغاركية: دروس قديمة للسياسة العالمية) يصف تفاعلات الأوليغاركية في السياسة الديمقراطية. يقدم وينترز تحليلا حول كيفية تحول الثروة إلى سلطة سياسية ثم إلى حكم أوليغاركي، أي حكم يحكم فيه السلطة السياسية من قبل عدد صغير من النخبة التي تمتلك قوة اقتصادية.
تأثيرات سيئة على العالم الإسلامي
أصبحت السياسة الديمقراطية في الواقع أداة استعمار جديدة (إمبريالية جديدة) للسيطرة على البلاد الإسلامية. يبرز ويليام بلم (2013) في كتابه America’s Deadliest Export: Democracy (الصادر الأمريكي القاتل: الديمقراطية) أن الديمقراطية هي أداة للسيطرة الأمريكية ولحلفائها على العالم بأسره، بما في ذلك العالم الإسلامي. في الواقع، البلاد الإسلامية حاليا في حالة استعمار، وضعف، وتخلف، واستغلال، نتيجة للإمبريالية الجديدة.
من خلال الديمقراطية، أصبحت القوانين والتشريعات في البلاد الإسلامية لا تلتزم القواعد الشرعية. هذا يسمح للغرب بالتأثير على عملية وضع القوانين لأجل تحقيق مصالح الإمبريالية الجديدة. باستخدام وسائل الإعلام، باسم الديمقراطية، يمكن للغرب التأثير بسهولة على آراء الجمهور في اختيار القادة. يعزز الغرب اختيار قادة يقبلون أفكارهم، مثل العلمانية، والليبرالية، وحقوق الإنسان، والمساواة الجنسية، ومجتمع الميم، ونحوها. نتيجة لذلك، هذه الأفكار تؤثر على السياسات التي يتبناها القادة المنتخبون. يعني ذلك أن هيمنة الشركات ستؤثر أيضا على من سيصبح زعيما لبلد ما، وماهية سياسة ذلك البلد.
كما أن الأمم المتحدة أصبحت أداة للإمبريالية الأمريكية لتنفيذ خططها السياسية في جميع أنحاء العالم. هذا ما حدث في هجوم أمريكا على العراق وأفغانستان. والأمم المتحدة تغض نظرها عن مذابح المسلمين في العراق، وفلسطين، والروهينغيا، والهند، والايغور في الصين. في معظم الأحوال، تقتصر الأمم المتحدة على الإعراب عن القلق إزاء المذابح المختلفة دون اتخاذ إجراءات ملموسة لوقفها.على سبيل المثال، صدرت مئات القرارات المتعلقة بقضية فلسطين، لكنها لم تحل المشكلة بل تزداد معاناة أهل فلسطين هناك.
طريق التغيير في المنظور الإسلامي
قضية التغيير قد راجت كثيرا في البلاد الإسلامية، ومنها ما يسمى “الربيع العربي”، الذي انتهى به الأمر إلى نفس النتيجة، وهي مجرد استبدال الأشخاص في النظام السياسي. في حين ظلت الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع على ما هي عليه.
لم يتغير شيء، سوى تغيير الأشخاص في النظام السياسي. لذلك، من الضروري، خاصة للأمة الإسلامية، فهم قضية التغيير، حتى لا يظل المسلمون أهدافا دائمة للدعاية للتغيير.
بإنعام النظر هناك خمسة مفاتيح رئيسة تعد عوامل حاسمة لتحقيق التغيير الحقيقي نحو إقامة الحكم الإسلامي. هذه المفاتيح هي: وجود الوعي لدى الأمة على الواقع الفاسد الحالي، والوعي بالواقع الذي يراد تحقيقه، والوعي بالطريقة الصحيحة للتغيير، ووجود حزب سياسي إسلامي مبدئي جاد في العمل للتغيير، ودعم أهل النصرة.
-
الوعي على الواقع السيئ
الأمة الإسلامية التي تمتلك الحمية والغيرة على دينها تسعى إلى التغيير لأنها أدركت سوء الواقع الحالي. في الحقيقة، البلاد الإسلامية لا تزال خاضعة للهيمنة الاستعمارية من القوى الغربية، سواء من طريق القوة العسكرية أو الهيمنة الاقتصادية والسياسية. ومنها احتلال كيان اليهود الوحشي للأرض المباركة فلسطين.
وخضوع البلاد الإسلامية للهيمنة الاستعمارية لا يمكن فصله عن انهيار الخلافة العثمانية في عام 1924. فبعد انهيار الخلافة، قُسم العالم الإسلامي الذي كان يمتد على مساحة واسعة إلى قطع صغيرة خاضعة للاستعمار. والآن، تنقسم البلاد الإسلامية إلى أكثر من 50 دولة ضعيفة. لذلك، الواقع السيئ في العالم الإسلامي اليوم هو استمرار الاحتلال الذي بدأ منذ انهيار الخلافة الإسلامية.
-
الوعي بالواقع المثالي
الوعي على الواقع الذي يسعى المسلمون لتحقيقه سيدفعهم لتحقيقه. فيجب أن يكون التغيير موجها إلى القضاء على جذور الأزمة التي تسبب الواقع السيئ. أي القضاء على هيمنة الدول الاستعمارية ومبدئها الرأسمالي على البلاد الإسلامية.
لذلك، القضية المصيرية للأمة الإسلامية حاليا هي إقامة الخلافة الإسلامية من جديد لتطبيق الشريعة الإسلامية بشكل كامل. فبدون الخلافة، يظل المسلمون في جميع أنحاء العالم خاضعين للاستعمار والظلم والاضطهاد. وبالخلافة، ستتمكن الأمة الإسلامية من توحيد قواتها في قوة واحدة. هذه الحالة ستزيل جميع أشكال الظلم والاضطهاد من قبل الدول الاستعمارية الحالية.
-
الوعي على الطريقة الصحيحة للتغيير
التغيير الذي تقوم به الأمة الإسلامية يجب أن يعتمد على المنهج الصحيح الذي سار عليه رسول الله ﷺ. وثمة نقطتان مهمتان يجب أن تكونا مرجعا لجهود الأمة الإسلامية اليوم:
أولا؛ قام رسول الله ﷺ بتثقيف الأشخاص الذين كانوا على استعداد ليصبحوا العمود الفقري للتغيير. فالطريقة التي استخدمها ﷺ لتغيير حال المجتمع الجاهلي الفاسد كانت من خلال الدعوة. وكانت أنشطة الدعوة التي قام بها أنشطة منظمة بشكل متقن. فهو، على سبيل المثال، لم يكتف بدعوتهم إلى اعتناق الإسلام وتعليمهم القرآن. وإنما جمعهم أيضا في مجموعة أو حزب واحد (كتلة) كان يرعاه ويوجهه.
ثانيا؛ كان هدف التغيير الذي قام به رسول الله ﷺ هو تغيير الحاكم والنظام معا. وذلك واضح في دعوته ﷺ التي لم تقتصر على دعوة غير المؤمنين إلى اعتناق الإسلام. ولكنها هدفت أيضا إلى إنشاء مجتمع إسلامي، أي استبدال نظام إسلامي بالنظام الجاهلي. وقد ثبت أنه بعد الهجرة أسس مجتمعا إسلاميا ضمن الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
ومن خلال كيان الدولة تمكن رسول الله ﷺ بصفته رئيسا لها من تطبيق الأحكام الشرعية. هذه هي الطريقة التي يجب على المسلمين اعتمادها للتغيير. وهو التغيير الذي يهدف إلى بناء كيان سياسي، دولة الخلافة الإسلامية. فمن خلال إقامة الخلافة يؤسس مجددا المجتمع الإسلامي،فهي التي تطبق القوانين الإسلامية (الشريعة) بشكل كامل شامل.
-
وجود حزب سياسي إسلامي يعمل لإقامة الخلافة
إن النضال لإعادة الخلافة محكوم بالعديد من العقبات والتحديات. فالدول المستعمِرة مع أعوانها ستحاول صدها. لذلك، يجب أن يجدّ المسلمون في ذلك التغيير بشكل جماعي منظم، كما قام به الرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم. على أن النشاطات التي يقوم بها هذا الحزب أو الجماعة لها طبيعة سياسية، لأن إقامة الخلافة هي عمل سياسي.
من بين هذه النشاطات السياسية مصارعة أفكار الكفر في المجتمع وكشف الخطط الّتي تهدد الأمة. على هذا الحزب أن يقوم بالكفاح السياسي، أي النضال السياسي لمقاومة الاستعمار في كل مجال، سواء أكان اقتصاديا أم اجتماعيا أم سياسيا أم عسكريا أم ثقافيا أم غير ذلك.
-
الحصول على الدعم من أهل النصرة
إن نجاح الحزب السياسي وأعضائه في الحصول على تأييد المجتمع لقيام الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية بشكل شامل يُضعف شرعية السلطة الحاكمة. في ذلك الوقت، يصبح من الضروري الحصول على دعم من أهل النصرة لتسلم السلطة (تسلّم الحكم).
لقد بحث الرسول ﷺ عن دعم أهل النصرة لمدة ثلاث سنوات، حيث ذهب من قبيلة قوية إلى قبيلة قوية أخرى، ودعاهم إلى نصرته وتمكينه من السلطة وتطبيق الإسلام. فدعا الرسول ﷺ لهذه المهمة الكثير من القبائل، من بينها قبيلة كنده، وبنو حنيفة، وبنو عامر بن صعصعة، وكلب، وبكر بن وائل، وهمدان، وغيرها.
دعاهم الرسول ﷺ كلهم إلى الإيمان وإعطائه النصرة له. في الوقت الحالي، أهل النصرة هم كل أصحاب القوة بما في ذلك العسكرية. وعند الحصول على دعم أهل النصرة، سيحدث تسلم السلطة مثلما حدث مع الرسول ﷺ عند إقامة الدولة الإسلامية في المدينة.
إمكانية عودة الخلافة الإسلامية
يتعارض مبدأ الإسلام مع الرأسمالية والاشتراكية في كل جوانب الحياة، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة والاجتماع وأجهزة الدولة والقانون وغيرها. ومن المؤكد أن هذا الاختلاف سيكون له تأثير كبير على الفكر والقيم الإسلامية مقارنة بالمبادئ الأخرى.
في الوقت الحالي، يظهر الضعف في النظام الرأسمالي، حيث يُرى أنه على وشك الانهيار. ويُعتقد أن المبدأ الرأسمالي يحاول فقط تمديد فترة وجوده. ومن المتوقع أن تكون الاضطرابات السياسية العالمية سلسلة من مراحل انهيار المبدأ الرأسمالي.
يذكر بول ماسون في كتابه PostCapitalism: A Guide to Our Future (ما بعد الرأسمالية: دليل لمستقبلنا) (2015) أن الرأسمالية تتجه نحو الانهيار بسبب فشلها الاقتصادي. ويرى ماسون أن انهيار الرأسمالية سيكون تغييرًا أساسيًا في العالم سيؤدي إلى ولادة نظام جديد يسميه “الرأسمالية الجديدة”.
في سياق الحرب بين الحضارات، يُعد ضعف الرأسمالية تحديًا وفرصة مناسبة لتستفيد منها الأمة الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بجهودها لإعادة المبدأ الإسلامي إلى معترك الحياة من طريق إقامة دولة الخلافة. هذا يعزز بالتأكيد الوعي المتزايد لدى الأمة الإسلامية بأهمية الخلافة الإسلامية.
وكذا من الواضح أن حالة الاستعمار والانحطاط التي تعاني منها الأمة الإسلامية حاليًا تتطلب وجود الخلافة قوةً عالمية لتحقيق التحرير. في حين أن الأنظمة المحلية في البلدان الإسلامية على علاقة وثيقة بالدول المستعمرة وتضطهد الأمة الإسلامية. هذه الحقائق المحسوسة ستزيد من رغبة الأمة الإسلامية في إعادة الخلافة قوةً عالمية وحامية للأمة في المجتمع الدولي.
العالم بحاجة إلى الخلافة
القوة الرئيسة التي تمتلكها الأمة الإسلامية الموزعة على أكثر من 55 دولة هي وجود العقيدة الإسلامية الواحدة التي هي أساس المبدأ الإسلامي. هذه القوة المبدئية المدعّمة بالموارد المختلفة التي يمتلكها المسلمون، توفر فرصة كبيرة لإنشاء دولة قوية في ظل الخلافة. وقد سجل التاريخ أن دولة الخلافة كانت قادرة على أن تصبح محورية بين حضارات العالم،إذ أصبحت مركزًا للتعليم والعلوم والتكنولوجيا، ولها قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية على المستوى العالمي.
قام فراس الخطيب (2014) في كتابه Lost Islamic History: Reclaiming Muslim Civilisation from the Past (التاريخ الإسلامي المفقود: إعادة استرداد الحضارة الإسلامية من الماضي)، بتقويم الحضارة الإسلامية بشكل موضوعي، حيث يرى أن الإسلام كان لمدة 1400 سنة من التاريخ قوة دينية واجتماعية وسياسية. لقد قدم فراس الخطيب الباحث والمؤرخ في جامعة يونيفرسال سكول بريدجفيو إلينوي، بشكل تسلسلي دور الإسلام في تاريخ العالم، وخلص إلى أن الإسلام قد نجح في توحيد المجتمعات بظروف جغرافية مختلفة في قوة واحدة.
إن الموارد البشرية والطبيعية التي يمتلكها المسلمون، سواء من حيث الكمية أو الجودة، بالإضافة إلى قوة العقيدة، ستزيد من تعزيز النضال من أجل إعادة دولة الخلافة التي تتميز بالرحمة.
والحقيقة أن العمل من أجل إقامة الشريعة بشكل كامل في ظل الخلافة هو عمل من أجل التغيير لتحقيق الرحمة الحقيقية للشعوب، ولإنهاء المعاناة الناجمة عن الهيمنة الرأسمالية العالمية. وهذا يعني أن العالم بحاجة إلى الخلافة فعلا.
2025-04-02