الإعلام ودوره الخبيث
23 ساعة مضت
المقالات
93 زيارة
مياس المكردي – اليمن
إن الإعلام يؤدي دورًا كبيرًا جدًا، وقد استخدمه الغرب الكافر وسيلةً ناجحة للترويج لسياساته، سواء في بلدانهم التي يحكمونها بشكل مباشر أو في بلاد المسلمين التي هي تحت قبضتهم. فعندما غزا الغرب بلاد المسلمين وسيطر على كل مقوماتها، سواء الفكرية أو المادية، جعلوا الإعلام يؤدي الدور الأهم في الترويج لحضارتهم. كما أن السوق بحاجة لمنتجات، فإن الإعلام كان العامل الأهم الذي جعل الغرب يحكم قبضته على العالم، وهم يدركون حقيقة الإعلام ومدى استفادتهم منه.
فلا يخفى عليكم ما تقوم به الفضائيات ووسائل الإعلام التي تخدم صراحة دول الاستعمار الغربي الكافر وتنطق باسمه، كقناة “بي بي سي”، التي تخدم السياسة البريطانية وتدافع عن مشاريعها الاستعمارية وأطماعها ومصالحها في بلادنا، ومجموعة فضائيات “الحرة” التي تخدم الرؤية الأمريكية في بلادنا، وقناة “روسيا اليوم” التي تبثُّ دعايتها على نمط الدعاية السوفياتية القديمة التي تمجد روسيا وآلتها الحربية وصناعاتها وتحاول أن تزاحم الغرب في بلادنا، وقناة “الجزيرة”التابعة لقطر والتي تدين بالولاء لبريطانيا، فمهمة “الجزيرة” تتواءم مع الـ”بي بي سي” وتخدم المشاريع والمصالح الاستعمارية التي تقرها بريطانيا وتروج لها. فوقوف الجزيرة أمام المشاريع الأميركية لا يأتي إلا ضمن محاولة بريطانيا لمزاحمة أمريكا في الحصول على جزء من الكعكة في بلادنا، وقناة “العربية” تتبع النظام السعودي التابع لأمريكا والذي يحارب الإسلام تحت عنوان «محاربة الإرهاب»، فهي في الحقيقة أبواق نشاز تنعق بما تريده الأنظمة.
وكذلك تقع معظم الفضائيات ووسائل الإعلام الخاصة فريسة للغرب الكافر عبر تمويله لبرامج ومشاريع تروج للعلمانية والسفور وخروج المرأة عن ولاية وليّها، كما هو الحال في معظم البرامج الإذاعية المموَّلة من الجمعيات النسوية المموَّلة بدورها من المؤسسات الغربية التي تعيث فساداً في بلاد المسلمين.
ولا يخفى على الجميع أن هدفها الحقيقي محاربة الإسلام من حيث هو عقيدة ونظام حياة، ومحاولة إبعاده عن السياسة، وفصل الدين عن السياسة… وكما تعمل قنوات الضرار على تحقيق هذا الهدف الخبيث من خلال البرامج الحوارية التي ترسخ مفهوم العلمانية وتهاجم الإسلام من حيث هو نظام حياة، وتشترك في ذلك معظم القنوات والفضائيات التي تروج لعلماء السلاطين ورؤيتهم للأوضاع من منظور الأنظمة العميلة للغرب.
وهذا كله بلا شك حدث عندما فقدنا الأم الحاضنة (الخلافة)، إذ استطاع الغرب السيطرة على بلاد المسلمين والتسلط على مقوماتها، فجعل الإعلام يؤدي الدور الأهم في تضليل الشعوب الإسلامية، حيث تم تغييب مقومات المسلمين الفكرية عن أذهان الأمة. وكان للإعلام دور كبير في تغييب هذه المقومات.
على سبيل المثال، نظام حكم الإسلام الذي يعد من مقومات الأمة الأساسية، استطاع الغرب من خلال غزوه الفكري واستعماره العسكري أن يسقطه، وهو الذي كان يجمع المسلمين تحت راية واحدة وكيان سياسي واحد. وقد جاءت آيات الله تحثنا على الوحدة وتخاطب الفرد والجماعة بالتزام أحكام الإسلام. فقد قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}”، وقال: }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا{. لكن الإعلام لعب دورًا مهمًا حتى لا يتسنى للمسلمين العودة إلى هذا المنهج أو حتى معرفتهم لواجبهم الحقيقي.
وأصبح تقسيم الأمة ووضع أنظمة الغرب الكافر أمرًا مقبولًا لدى الكثير من الناس، بما فيهم أصحاب الشهادات العليا. فصارت الديمقراطية “إسلامية”بفتوى مشايخ وترويج لبعض الفئات دون أن يكون لهم أي مرجع شرعي. وهذا كذب وزور لأجل مصالحهم الشخصية. وهناك من يُفتون بفتاوى تدوي في الأرض والسماء دون أن يشعروا بما يقولون، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}.
إن المتقولين قول الزور، أتاح الإعلام لهم وسيلة سهلة للترويج لحضارة الغرب. وكذلك تم تدمير مقومات الأمة الفكرية والمادية في مجالات الاقتصاد والتعليم، وحتى في الجانب العسكري والثروات وسائر المقومات،وأدى الإعلام دوره في إحلال حضارة الغرب وثقافته محلها.
ولكن هيهات هيهات، لقد انقشع الظلام، فما قدمته هنا يحمل الكثير من الأسئلة العميقة التي تدور حول واقع الأمة الإسلامية بعد هدم الخلافة، والأسباب التي أدت إلى ما وصلنا إليه من ضعف وتشتت، بالإضافة إلى دور الإعلام في صياغة وعي الشباب والمجتمع. الحديث عن هذه القضايا يفتح المجال للكثير من التأملات حول كيفية استغلال الأمة للمصادر الحديثة المتاحة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، لتحقيق تغيير حقيقي وتغيير موازين القوى لصالحها.
في البداية، يجب الاعتراف بأن الأمة الإسلامية قد عانت من صراعات داخلية وخارجية، تمثلت في انهيار الدولة الإسلامية وظهور الكثير من الأنظمة الفاسدة التي تحالفت مع القوى الاستعمارية، مثل بريطانيا وفرنسا، للتخلص من الخلافة. هذا التعاون مع القوى الاستعمارية كان سببًا رئيسًا في هدم وحدة الأمة، التي كانت محكومة بشريعة الله، مما فتح الباب للفتن والصراعات والتمزق بين الدول العربية والإسلامية.
أما الإعلام فقد أدى دورًا كبيرًا في تشكيل الوعي العام وتوجيهه، وكان في الكثير من الأحيان أداة في يد المستعمرين لفرض ثقافتهم وأيديولوجياتهم على الشعوب. منذ بداية القرن العشرين، بدأ الإعلام في العالم العربي وسائر العالم الإسلامي يخضع لتوجيهات قوى استعمارية، ما جعل صوت الأمة مشوشًا، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الكبرى مثل إعادة الخلافة وقضية القدس وفلسطين.
لكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الوضع يتغير. وعلى الرغم من محاولات الغرب توجيه هذه الوسائل أيضًا لخدمة مصالحه، فإن المسلمين اليوم قادرون على استخدام هذه الوسائل لنشر وعيهم، وتبادل الأفكار، وتنظيم الحملات التضامنية، مثل تلك التي شهدناها في عملية “طوفان الأقصى”والتي أصبحت تثير اهتمام الأمة الإسلامية والعالم بأسره، بل إن العاملين في حقل الإعلام المنتمي للأمة شغلهم الشاغل أن يعيدوا صياغة الأخبار لتكون منحازة تماماً للأمة، وقد خطت بعض المواقع المنتمية للأمة المنحازة لدينها في ذلك خُطا جيدة يجب أن تتركز وتتنامى.
فموقع الناقد الإعلامي مثلاً يعيد صياغة الخبر ليزيل عنه ما علق به من سموم إعلامية جاءت عبر صياغة الإعلام المأجور. وخطت صفحة نبض الأمة خطوات في ذلك المجال وشقت طريقها في العمل على ترسيخ فكرة الإعلام المنتمي لأمته المنحاز لثقافتها. وكذلك أصبحت جريدة الراية عنواناً لذلك الإعلام المتبني لقضايا الأمة الإسلامية. وكذا عناوين المكاتب الإعلامية وشتى الصفحات في وسائل التواصل الاجتماعي أكبر دليل على ذلك، رغم الحرب المستعرة على هذه المنصات، إذ سرعان ما يتم استئناف العمل من جديد. ولله الحمد أصبح في يد المسلمين أداة قوية لنقل الأخبار والتفاعل مع قضاياهم.
لقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أبوابًا كانت مغلقة أمام حَمَلَة سابقًا، حيث يمكنهم الآن نشر الوعي على قضاياهم الإسلامية، بما في ذلك قضية القدس، التي للأسف نسيتها كثير من الأنظمة الإعلامية التقليدية، حتى وإن سُلط الضوء على فلسطين ولكنه عكس المطلوب، فالأصل أن يكون تسليط الضوء على الحل الجذري.
نحن اليوم في وضع فريد، حيث أصبح لدينا الإمكانية لإعادة بناء الوعي السياسي والديني والثقافي للأمة الإسلامية، من خلال الاستفادة الكاملة من وسائل التواصل. هذا هو التحدي الذي يجب أن نواجهه جميعًا. وأكبر مسؤولية تقع على عاتق حملة الدعوة والمسلمين عموما في جميع أنحاء العالم هي توظيف هذه الوسائل في خدمة قضاياهم الإسلامية، وتحقيق وحدة الأمة وإقامة الفرض العظيم (الخلافة) التي دافع عنها الصحابة والتابعون ومن لحقهم من السلف الصالح.
الفرصة قائمة الآن أمامنا لنعيد الخلافة الإسلامية التي بعودتها تحل كل القضايا، فتحرر فلسطين، وتجعل القدس عاصمة الخلافة الراشدة إن قررت ذلك. فلنستعد عز الإسلام من خلال الوعي الصحيح والعمل الجماعي مع الرائد الذي لا يكذب أهله، إنه حزب التحرير.
2025-04-02