هل أدى العلماء دورهم المنشود في أحداث طوفان الأقصى وفي قضايا الأمة؟
يوم واحد مضت
المقالات
100 زيارة
أ.عامر أبو الريش – فلسطين
منذ تنفيذ عملية طوفان الأقصى توجهت أنظار أهل فلسطين خاصة وأنظار الأمة عامة إلى طاقات الأمة الحيوية الفاعلة المرجو تحركها نصرة لغزة وكل فلسطين، وذلك بعد أن اتضح أن ما يتعرض له أهل غزة هو حرب إبادة يشنها كيان يهود مدعوما من المنظومة الدولية وعلى رأسها أمريكا بتواطؤ ومشاركة من الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين.
وكان على رأس هذه الطاقات علماء المسلمين وهيئاتهم ومجامعهم، فالمسلمون ينظرون إلى علمائهم نظرة العيال الحائرين إلى من يأخذ بيدهم ويرشدهم إلى سبيل نصرة إخوانهم، بل ويرشدهم إلى سبيل خلاص الأمة كلها مما هي فيه من الضعف والهوان والفرقة والتبعية، فهم يعلمون علم اليقين أن خلاصهم وقيامهم بواجبهم منوط بالتزام أمر ربهم تعالى واتباع سنة نبيهم ﷺ، وحيث إن العلماء هم ورثة الأنبياء كما أخبر النبي ﷺ، وأن الله رفع قدرهم بعلمهم، إذ قال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، وقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، وحيث إن المسلمين بأمس الحاجة لهم فهم المرجع إذا عرض للمسلمين عارض يحتاج إلى بيان وتفصيل من كتاب الله وسنة نبيه، كان العلماء محط أنظار وأسماع المسلمين ليفتوا لهم بكيفية أداء الواجب المنوط بهم في نصرة إخوانهم وتغيير حالهم.
وقد انقسم “العلماء” في هذه المحطة التاريخية والملحمة الكبرى إلى أربعة أقسام:
– فقسم ناعق بمواقف الحكام لا يخرج عنها، ولا يقول إلا ما يرضي حاكمه، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الإفتاء بحرمة مناصرة أهل غزة ومجاهديها بحجج متعددة، منها الخروج على ولي الأمر، ومنها التدليس بالقول بأن عندهم انحرافات عقدية وفسادا في الولاء والتهور في مغامرة غير محسوبة العواقب… الخ، حتى وصل انحدارهم إلى الإفتاء بحرمة الدعاء لهم. وهذا القسم ممن يُسمون بالعلماء قد صدق فيهم وصف الله سبحانه وتعالى: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً)، ويغلب على الظن أنهم طُبِع على قلوبهم فلا يرون إلا ما يرى حكامهم، فخانوا الأمانة خيانة عظيمة، ولسنا بواقفين على باب التوبة إن أرادوا.
– وقسم ثانٍ صامت لم يُسمع منه شيء بسبب الخوف أو الطمع، إما خوفا من السجن أو التعذيب أو قطيعة الرزق أو نزع المناصب، أو طمعا فيما عند الحكام، وهؤلاء لم يؤدوا الأمانة، ولم يفقهوا، رغم علمهم، ما عليه العقيدة من أن الأمر كله لله، وأن قول الحق لا يقرب أجلا ولا يبعد رزقا، نسأل الله لهم التوبة قبل فوات الأوان.
– وقسم ثالثٌ رباني بيّن ما أوجب الله ولم تأخذه في الله لومة لائم ولا خوف من عقوبة ولا طمع في دنيا، فكانوا إما قلة مغيبة عن وسائل الإعلام أو في غياهب السجون، أدوا الأمانة حق الأداء فحوربوا وابتلوا فصبروا، جزاهم الله عن الأمة خير الجزاء.
– وقسم رابعٌ تقدم بموقفه ولكن ليس بشكل كامل، فبين أمورا وسكت عن أمور أخرى، قطعوا شوطا كبيرا ولكنهم لم يصلوا، وهؤلاء هم موضع البحث أساسا هنا، لانعقاد الأمل عليهم ولظهور بذرة الخير فيهم، ولأنهم كانوا أظهر الأقسام إعلامياً وأكثرها تفاعلا عند الأمة.
وحتى يتضح المقال بالمثال، وحتى نثبت لهذا الفريق من العلماء ما بلغوه من فضل يجب عليهم أن يُتمّوه، نورد إجمالا ما كان منهم. فقد ظهر من هذا القسم من علماء المسلمين فرادى ومن هيئاتهم الجمعية فتاوى لم تكن تظهر قبل طوفان الأقصى، فأفتوا بوجوب نصرة الأمة لغزة وأهلها بالجهاد بالنفس بعد أن كانت الفتاوى سابقا تحصر واجب الأمة خارج فلسطين بالجهاد بالمال وبأشكال الدعم الأخرى كالسياسة والدبلوماسية والإعلام، وأفتوا بوجوب تحريك الجيوش بعد بيان عدم تحقق الكفاية في أهل فلسطين وحدهم، وامتدحوا المجاهدين والمرابطين والصابرين، ودعوا المسلمين إلى الاقتداء بهم، وأفتوا بأن التطبيع خيانة، وأن مد كيان يهود بأي مال أو غذاء أو سلاح هو مشاركة في سفك دماء المسلمين، وأفتوا بحرمة محاصرة غزة وأهلها، وبحرمة حبس الأمة عن نصرة إخوانهم، وأفتوا بأن الواجب في نصرة غزة وأهلها منوط بالحكام والمحكومين وكذلك بالجيوش والعلماء والإعلاميين وأنه ليس من أحد معفى من هذا الواجب، وأفتوا بأن الواجب الشرعي يقضي بتحرير فلسطين كلها لأنها كلها إسلامية ولا يحق لأحد كائنا من كان أن يتنازل أو يقر ليهود بأي شبر منها، بل وأفتى بعضهم بحرمة طاعة العسكر لولاة أمرهم إذ يمنعونهم عن نصرة المسلمين المستضعفين المحاصرين خاصة وهم يتعرضون للإبادة.
إن هذه الفتاوى التي ظهرت مع بداية معركة طوفان الأقصى تعد قفزة عريضة وخطوة بالغة الأهمية في مسيرة هذا القسم من العلماء. ولكنها توقفت عند ذلك، فكانت تظهر وتنتشر ثم تعاود الاختفاء، وكان صوت العلماء يعلو ويظهر ثم يخفت، وأهم من ذلك أن هذه الفتاوى لم تؤد إلى عمل حقيقي بنصها ولا مضمونها، فلا الجيوش تحركت، ولا الأمة زحفت، ولا غزة نُصرت من إخوانها، ولا فلسطين حُررت، فلماذا؟
قبل بيان الأسباب التي حالت دون تحول فتاوى العلماء إلى عمل جماعي للأمة وجيوشها، من المفيد في هذا المقام إيراد سؤال في غاية الأهمية طُرح على “مؤتمر علماء طوفان الأقصى” الذي انعقد في تركيا في شهر أيار/مايو ٢٠٢٤م، حيث بادر د.محمد إلهامي إلى مخاطبة العلماء المجتمعين قائلا: “ونحن نتحدث عن دور العلماء في طوفان الأقصى، يكاد الناس أن يكونوا قد يئسوا من الأنظمة ومن الحكام، ولم يبق أمامهم إلا العلماء ليشيروا عليهم ويوجهوهم بل ويقودوهم في طريق الحل”. كيف يمكن أن تفعل الأمة الآن ليس لغزة وحدها ولكن لقضية الأمة كلها؟ الآن الأمة تبدو كالسجين، وتبدو بلادها كالزنازين، وتريد أن تتبرع لغزة، وأن تجاهد مع غزة، وأن تتخذ المواقف العالية، ولكن الطبيعة والأوضاع والأنظمة الموجودة وطبيعة موازين القوى وطبيعة التركيب السياسي، كل هذا يحول دون الأمة ونصرة غزة، كيف يمكن أن تخرج الأمة من هذا الحبس؟ كيف يمكن أن تكسر هذه الجدران؟ كيف يمكن أن تتحرر من هذه الزنازين؟ كيف يمكن أن تستعيد قوتها من جديد؟
هذا السؤال واحد من الأمثلة التي تعبّر بدقة كبيرة وباختصار عن واقع القضية المطروحة على العلماء، وهو وغيره لم تتم الإجابة عليه حتى الآن من هذا القسم من العلماء الذين تتوسم فيهم الأمة خيرا.
ولبحث المسألة على شكل نقاط محددة من خلال محاور السؤال يتبين بكل وضوح ما يلي:
-
الأمة تبحث عن سبيل الخلاص والتغيير في قضاياها التي من بينها قضية فلسطين وإقامة الدين والتحرر من التبعية، وهي تنظر إلى العلماء باعتبارهم المرشد والموجه والقائد الفكري والعملي لإنجاز عملية التغيير الجذري المنشود.
-
هذا القسم من العلماء ومن خلال بياناتهم وفتاواهم الأخيرة لم يحددوا للأمة خطوات عملية لتسير فيها، بل اكتفوا ببيان أحكام عمومية، دون بيان تفصيلاتها وكيفية تطبيقها على أرض الواقع. فمثلا، قالوا إن مناصرة غزة فريضة على الأمة، ولكنهم لم يبينوا للأمة كيف تزيل العوائق التي تمنعها من مناصرة غزة، ولم يبينوا لها كيف يكون العمل الجماعي لإزالة هذه العوائق. وأفتوا بوجوب تحرك الجيوش بالجهاد لنصرة غزة وتحرير فلسطين، ولكنهم لم يبينوا للعسكر ماذا يجب أن يفعلوا إذا منعتهم قياداتهم السياسية والعسكرية من أداء هذا الفرض، ولم يبينوا لها كيف تدفع هؤلاء العسكر دفعا بل وإجبارا لينفلتوا من طاعة من يمنعهم من نصرة إخوانهم. فهل يكفي أن يقال بأن الجهاد فرض؟ بل هذا حكم قطعي مفروغ منه معروف للجاهل والعالم، وللصغير والكبير، وللأعجمي والعربي، ويجب على العلماء أن يخوضوا في تفاصيل إيجاده عمليا في أرض الواقع. وهل اكتفى هؤلاء العلماء مثلا بأن يقولوا: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) عندما وضعوا القواعد والأحكام للعقود والمعاملات في البنوك التي تسمى إسلامية؟ أم خاضوا في تفاصيلها وكتبوا فيها آلاف الأبحاث وملايين الصفحات؟
-
هذا القسم من العلماء لم يبنوا بناء فقهيا عمليا على فتاواهم التي أعلنوها، وإنما وقفوا عندها. فمثلا هم أفتوا بأن واجب تحرير فلسطين ونصرة غزة واجب على الحكام والمحكومين، على العسكر والمدنيين، ولكنهم لم يبينوا ماذا يتوجب على المحكومين مدنيين وعسكريين أن يفعلوا في حال أصر الحكام والضباط الكبار على عدم تحريك الجيوش وعلى غلق الحدود. وأفتوا بأن التطبيع ودعم كيان يهود خيانة، ولكنهم لم يبينوا كيف تتصرف الأمة وجنودها مع الأنظمة المطبعة والداعمة ليهود.
-
هذا القسم من العلماء لم يأت بأية خطوة عملية يتقدمون بها الأمة ويقودونها بها نحو أي نوع من الضغط على الحكام أو على الجيوش. فهم رغم فتاواهم لم يقودوا أعمالا جماهيرية حاشدة من شأنها أن تدفع الجيوش للتحرك كالاعتصام الحاشد المتواصل أمام المعسكرات، أو محاصرة قصور الحكام، أو اختراق الحدود، أو التوجه للقبائل والعشائر الكبيرة المسلحة لدفعهم إلى القيام بخطوات عملية وأعمال جهادية، أو اعتصامهم كعلماء وتهديد الحكام والضباط الكبار بأنهم إذا لم يتحركوا فإنهم سيعلنون الخروج عليهم والبراء منهم. ألا يدرك هؤلاء العلماء أن الأمة بعوامها وعساكرها ونشطائها وسراتها يرزحون تحت طبقات بعضها فوق بعض من الفتاوى بطاعة ولي الأمر وحرمة الخروج عليه؟ هل ظنوا أننا في زمن يتلقف الناس بجموعهم وعلى اختلاف مكانتهم ومناصبهم وقدراتهم فتاوى العلماء فينطلقون لتطبيقها دون أن يكون لهم قائد يسير أمامهم بعد أن يزيل الغشاوة عن أبصارهم وبصائرهم؟
-
إن صدور معظم هذه الفتاوى والبيانات والإعلانات من داخل دول معينة، وتوجيهها بشكل واضح أو ضمني لدول أُخَر، جعل هذه الفتاوى تظهر وكأنها من باب مجرد تسجيل المواقف والمناكفات بين الدول التي قسمت نفسها وكأنها في محاور متعارضة، فظهرت وكأنها نظام يرمي على ظهر نظام وحاكم يحرض على آخر ودولة تحمّل المسؤولية للأخرى. ثم إنها جعلت مرد الأمر كله لقرار الحكام من مثل قولهم عن تسيير الجيوش: “فإن لم يفعلوا فلا أقل من أن يقدموا الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي والمالي”، فأعفوا الحكام وقادة الجيوش في بعض الأحيان من الواجب بعد بيانه.
-
إن بعض هؤلاء العلماء من الذين أفتوا بوجوب الجهاد وتحرك الجيوش وزحف الأمة وفتح الحدود تراجعوا بشكل صريح أو ضمني عنها عندما علت استغاثات أهل غزة ومجاهديها وقادتهم للأمة بأن لا تكتفي بما يسمح به الحكام لها من أشكال المناصرة والتضامن، فانبروا للرد على هذه الاستغاثات بذريعة أنها دعوات تهدد استقرار البلاد وتؤدي إلى خرابها ونهوا الأمة عن الاستجابة لها.
وجماع هذا كله على ثلاثة أمور:
أحدها أن هؤلاء العلماء لم ينعتقوا من الحكام جميعهم ولم ييأسوا من الأنظمة كلها، بل يئسوا من بعضها ولا يزالون يأكلون من طبق البعض الآخر، فحال هذا بينهم وبين أية فتوى أو عمل فيه خروج على الحكام أو تحريض على الخروج عليهم. وكيف يمكن مثلا لمن تستضيفه تركيا أن ينادي بالخروج على حكام الأردن دون أن يُقال له: عليك بالذي أنت عنده؟
وثانيها أن هؤلاء العلماء لا يملكون برنامجا سياسيا متكاملا ولا حتى جزئيا ينتهجونه ويعملون بناء عليه لإحداث التغيير. بل إنهم لا يتفقون فيما بينهم على ماهية التغيير المطلوب ولا الهدف المنشود.
وثالثها أن هؤلاء العلماء لا يشكلون بأنفسهم ولا يقودون فعليا أية جماعة أو حزب أو تكتل جماعي يمكن لهم أن يحركوه بناء على فتاواهم وإعلاناتهم، وإذا كان بعضهم ينتمي لجماعة أو يُعد مرجعا لها أو له تأييد بين أعضائها ومناصريها فهو ليس لها بقائد يأمر فيطاع، بل لها قيادة تقرر على اعتبارات أخرى.
وخلاصة القول فإن أية فتوى أو دعوة أو نداء أو بيان للعلماء لا يتضمن استنفار الأمة للتخلص من حكامها واسترجاع سلطانها وقرارها وقوتها وتطبيق شرع ربها وتوحيد أقطارها ولا يتضمن برنامجا عمليا لتحقيق ذلك يبقى حبرا على ورق وصراخا في وادٍ غير ذي حياة، والواجب على هؤلاء العلماء يتحقق في واحد من أمرين:
فإما أن يتحول العلماء إلى جماعة بقيادة تجمعهم على أفكار وأعمال موحدة وبرنامج واضح وأهداف محددة ويجمعون الأمة حولهم، وإما أن يلتحقوا بالجماعة التي تملك ذلك ويدعون الأمة للالتحاق بها، وفي كلا الحالتين يجب عليهم تقدم الصفوف قولا وعملا وتضحية وشجاعة، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا بطش ظالم، ولا طمع في دنيا، ولا حرص على سلامة، فيضعوا أنفسهم في المكان الذي يليق بأهل العلم، ويفوزوا بأجرهم وأجر من اتبعهم لا ينقص ذلك من أجر التابعين شيئا، وإلا فإنا نخاف عليهم وزر ما أحجموا عنه من قول أو فعل واجبين، ووزر من أحجم اقتداء بهم، ونخشى عليهم أن يلجمهم الله يوم القيامة بعلم كتموه، ونبوء بهم من أن يصيبهم بعض قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)، ونرجو أن يكونوا ممن قال الله فيهم: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
2025-04-02