العدد 462_463_464 -

السنة التاسعة والثلاثون، رجب – شعبان – رمضان 1446هـ الموافق كانون الثاني – شباط – آذار 2025م

مفهوم النصرة وأهميتها لإقامة الدولة الإسلامية

يس مطهر- اندونيسيا

التمهيد

إن من يدرك واقع الرسالة الإسلامية والتي جعلها الله سبحانه وتعالى عالمية ورسالة خاتمة يدرك أن وجود الدولة الإسلامية في حياة المسلمين هي جزء جوهري من الإسلام، وذلك معلوم من الدين بالضرورة، وأن الخليفة هو الجهة التي أناط الله سبحانه وتعالى بها تطبيق الإسلام ونشره، وكل من يفهم الإسلام الفهم الصحيح لا بد من أن يدرك أن الهجرة لا تعني إلا إقامة الدولة الإسلامية. وحزب التحرير سار في دعوته على طريقة الرسول ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية، فسار بمراحل الدعوة التي سار بها الرسول ﷺ، من التثقيف المركز والتثقيف الجماعي والتفاعل مع الأمة، وسار في طلب النصرة قبيل مرحلة تسلّم الحكم.

ولأهمية النصرة لإقامة الدولة الإسلامية أسوق في هذه المقالة المتواضعة البيان الشافي حول النصرة وطلب النصرة.

 

المعنى اللغوي للنصرة

النصر إتيان خير وإيتائه، ونصر الله المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم نَصْرًا، وانتصر: انتقم، وأما الإتيان فالعرب تقول: نَصَرْتُ بلد كذا: إذا أتيته، ويسمى المطر نَصْرًا، ونصرت الأرض، فهي منصورة، والنصر: العطاء، والنصر: العون. نَصَرَهُ على عَدوِّه، يَنْصُرُه نَصْرًا، والاسم النُّصْرَةُ، والنَّصيرُ، والناصِرُ، وجمعه أنصارٌ كشريفٍ وأشرافٍ. والنصرة بضم النون هي حُسن المعونة كما في لسان العرب.

 

المعنى الاصطلاحي للنصرة

لا يختلف النصر في معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهو يتضمن عدة معانٍ، منها: العون، والتأييد، والعطاء، ودفع الضر، فنصر فردٍ أو جماعة يشمل إعانتهم بالقول أو الفعل، وتأييدهم بالقول أو الفعل، وإعطاءهم ما ينصرهم، ويدفع الضر عنهم، وإلى هذا أشار الشوكاني رحمه الله بقوله: “هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم”.

والمراد بالنصر أو النصرة في هذا الصدد هو نصرة دين الله والقائمين على إقامته في الأرض. أي حسن المعونة أو التأييد للدين من قبل أهل القوة والمنعة.

قال العالم الشيخ عطاء بن خليل أبو الرشتة في سلسة أجوبته بتاريخ 22 جمادى الأولى 1446هـ: “النصر يتخذ أوجهاً متعددة، فظهور فكر الدعوة على غيره من الأفكار هو وجه من أوجه النصر، والتفاف الناس حول الدعوة وتأييدها هو وجه من أوجه النصر، وثبات حملة الدعوة على دعوتهم هو وجه من أوجه النصر… وهكذا. وقال : ومن أوجه النصر استجابة أهل القوة والمنعة بإعطاء النصرة للدعوة، ولكن النصر بمعناه الكامل لا يتحقق إلا بتحقق هذه النصرة ووصول الحزب إلى الحكم بإقامة الدولة وتطبيق الإسلام وحمل الدعوة… فالنصر في سياق الدعوة معناه الكامل هو وجود نقطة الارتكاز، أي قيام الدولة، لأنه دون قيام الدولة لا يوجد الإسلام في معترك الحياة… فوجوه النصر الأخرى، وإن كان فيها خير، لا تحقق وجود الإسلام في معترك الحياة، بل لا بد من قيام الدولة والحكم بالإسلام عملياً حتى يوجد الإسلام في معترك الحياة ويوجد النصر بمعناه الكامل الشامل”…

وتطلق نصرة الله ويراد بها نصرة دين الله، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} الحديد/25. ونصرة رسوله حمايته ومنعته والقتال معه، {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ…} التوبة /40، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} الصف/14.

 

علاقة النصرة وطلب النصرة

وهذه النصرة من أحكام الطريقة، لأنها لا يمكن فصلها عن طلب النصرة، بل هي الغاية منه، فإنّ طلب النصرة حكم شرعي من أحكام الطريقة، وكذلك النصرة هي حكم شرعي من أحكام الطريقة الواجب على أهل القوة أن يقدموها لمن يعمل لإقامة حكم الله دون غيرهم، كما قدمها زعماء الأوس والخزرج أي الأنصار لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين سعوا للحصول عليها، طريقةً لإقامة الدولة الإسلامية. ومن أجل الحصول على النصرة لا بد من عملية طلب النصرة. وطلب النصرة هو السعي للحصول على إعانة الدين وتأييده، أي إقامة الدين من أهل القوة والمنعة الذين يقدرون على الإعانة لأنهم هم أصحاب القوة الحقيقيون في الأمة.

فقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى طلب النصرة في قوله: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً) الإسراء: 80، جاءت هذه الآية عقب قوله تعالى: (وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِن الأرْضِ لِـيُخْرِجُوكَ مِنْها وإذاً لا يَـلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إلاَّ قَلِـيلا. سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) الإسراء: 76، أي لما همَّ كفار مكة بإخراج الرسول ﷺ من مكة، علم رسول الله ﷺ أنه لن يستطيع القيام بأمر هذا الدين من غير سلطان نصير، فسأل الله أن يخرجه من مكة مخرج صدق، وأن يدخله البلد الذي ينصره مدخل صدق، وأن يجعل له في ذلك البلد ملكاً ناصراً ينصره.

قال الإمام الطبري في تفسيره: “وقوله: (وَاجْعَلْ لِـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً)، اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: واجعل لـي ملكاً ناصراً ينصرنـي علـى من ناوأنـي، وعِزّا أقـيـم به دينك، وأدفع به عنه من أراده بسوء. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: (وَاجْعَلْ لِـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً)، وإن نبـيّ الله علـم أن لا طاقةَ له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله عزّ وجلّ، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، وإن السلطان رحمة من الله جعلها بـين أظهر عبـاده، لولا ذلك لأغار بعضهم علـى بعض، فأكل شديدُهم ضعيفَهم. ثم قال الطبري: وأَولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك أمر من الله تعالى نبـيه بـالرغبة إلـيه فـي أن يؤتـيه سلطاناً نصيراً له علـى من بغاه وكاده، وحاول منعه من إقامته فرائض الله فـي نفسه وعبـاده”.

قال القرطبي في معنى هذه الآية: “وقيل: علمه ما يدعو به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين المشركين وإدخاله موضع الأمن، فأخرجه من مكة وصيّره إلى المدينة”. وهذا المعنى رواه الترمذي عن ابن عباس قال: “كان النبي ﷺ بمكة ثم أُمر بالهجرة فنزلت (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً). قال: هذا حديث حسن صحيح”.

فهذه الآية تخبرنا أن الله أمر رسوله ﷺ بطلب النصرة لإقامة الدين. وحصل هذا العمل قبيل أمر الله بالهجرة من مكة إلى المدينة. فبعد أن تم الطلب وحصل الرسول على النصرة أمره الله بالهجرة. فهذا يدل على أنه ﷺ إنما كان يقوم بأعمال طلب النصرة في ظل دعائه لله تعالى أن يؤتيه مُلكاً ناصراً.

ودلت الروايات الكثيرة على أن رسول الله ﷺ قام بطلب النصرة قبيل النصرة أي قبيل تسلم الحكم من أهل القوة. منها ماورد في سيرة ابن هشام: [سَعْيُ الرّسُولِ ﷺ إلَى ثَقِيفٍ يَطْلُبُ النّصْرَةَ]:

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: «وَلَمّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ، يَلْتَمِسُ النّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي  يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ لَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللّهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ، عَمَدَ إلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ وَهُمْ إخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ عَبْدُ يَالَيْل بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ وَكَلّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الإسلام وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ.

ومن صفة الطريقة أنها لا تتغير ولا تتبدل باختلاف الظروف والأزمنة والأمكنة. فالنصرة من أحكام الطريقة فلا تقام الدولة الإسلامية، أي الخلافة، إلا بها. فمن أراد إقامة الدولة فعليه بتحصيل النصرة من طريق طلب النصرة.

ثم إنه إذا تأملنا النصرة الحاصلة في سيرة النبي ﷺ حتى أقام الدولة الإسلامية في المدينة يتبين أن هذه النصرة تقتضي عدة أمور كأركان لها:

  • من يطلب النصرة،وهم الذين يعملون في حزب سياسي لإقامة الخلافة كطريقة لإيجاد الحياة الإسلامية في المجتمع كما فعله الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.

  • ومن يُطلب منه النصرة، وهم أهل القوة والمنعة، أي أهل النصرة، مثل زعماء القبائل ورؤسائها وأهل القوة والمنعة من قادة الأوس والخزرج الذين طلب منهم رسول الله ﷺ النصرة.

  • وعملية طلب النصرة،وهي الأعمال التي قام بها الرسول ﷺ حين طلب النصرة، من معرفة من هم أهل القوة والمنعة في المجتمع حوله والاتصال المتقصد بهم، وعرض نفسه وعرض الإسلام الذي دعا إليه لهم والعمل الدؤوب رغم المشقة في سبيله.

  • والنصرة من قبل أهل القوة، وهي حسن الإعانة والتأييد من قبل أهل القوة.

  • والظروف التي فيها يجري هذا العمل، هي الحالة التي عمل فيها طلب النصرة من تجمد المجتمع بعد انتشار الرأي العام عن الإسلام والدعوة له.

فإذا توفرت هذه الأمور الخمسة فقد تم طلب النصرة وحصلت النصرة.

 

والنصرة حكمها فرض على أهل القوة والمنعة في الأمة.

فكما أن طلب النصرة هو حكم شرعي من أحكام الطريقة فكذلك النصرة هي حكم شرعي من أحكام الطريقة الواجب على أهل القوة أن يقدموها لمن يعمل لإقامة حكم الله دون غيرهم. كما قدمها زعماء الأوس والخزرج أي الأنصار لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين سعوا للحصول عليها طريقةً لإقامة الدولة الإسلامية.

ونصرة الله ورسوله أي نصرة الإسلام بمختلف أشكالها -بما فيها النصرة لإقامة الدولة- حكمها فرض على من يقدر من المسلمين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7).

دلت الآية على أن نصرة الدين، والدفاع عنه، وعن حملته، مسؤولية كل مسلم. قال الرازي في تفسير هذه الآية: “وفي نَصْرِ اللَّهِ تَعالى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ وطَرِيقَهُ. والثّانِي: إنْ تَنْصُرُوا حِزْبَ اللَّهِ وفَرِيقَهُ. الثّالِثُ: المُرادُ نُصْرَةُ اللَّهِ حَقِيقَةً”.

وأهم النصرة الواجبة تحقيقها اليوم هي النصرة من قبل أهل القوة والمنعة من قادة الجيوش وضباطها، لأنه بها تقام الدولة الإسلامية التي ستطبق الإسلام في جميع نواحي الحياة وتفصل التنازعات وتوحد بلاد المسلمين وتنصر المظلومين من الظالمين. فإقامة الدولة الإسلامية تاج الفروض في أعناق المسلمين كما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة:”اعلم أيضا أن الصحابة رضوان الله عليهم  أجمعين أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة، وقالوا إنه واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول اللهﷺ”.

فوجود النصرة حكمه أنه فرض أيضا، أيما فرض، إذ به سيتحقق تاج الفروض. فهذا الفرض من قبيل “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، ومن قبيل “للوسائل حكم المقاصد”. 

 

واقع النصرة في النصوص الشرعية

يتردد مصطلح النصرة ومشتقاته في القرآن والحديث لتعني ما يلي:

والمناسبات التي اقترنت بالتوجيهات القرآنية والنبوية التي عالجت عنصر النصرة، وأدرجته في العناصر المكونة للأمة الإسلامية هي:

أولا: ذلك الالتزام الكامل الذي قام به الأنصار قولا وعملا لنصرة الرسول ﷺ، ونصرة المهاجرين معه، ومن أجل ذلك أطلق عليهم اسم “الأنصار”.

ثانيا: تلك التضحية الكاملة التي قدمها المهاجرون حين اقتلعوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي وثقافته اقتلاعا كاملا، ثم أوقفوا هـذه الأنفس لنصرة دين الله سبحانه وتعالى.

ثالثا: إقامة الفريقين مجتمِعين شرائع الإسلام في واقع حياتهم، في العصر النبوي والراشدي بإقامة الدولة الإسلامية، ثم الخروج إلى العالم كله لحمل الإسلام بالدعوة والجهاد.

 

أهمية وضرورة وجود النصرة في عملية التغيير

كما هو معلوم عند الجميع أن حال المسلمين اليوم يحتاج تغييرا. والتغيير المقصود ليس مطلق التغيير ولكنه التغيير الذي يهدف إلى إقامة الدولة الإسلامية على طريقة دعوة الرسول ﷺ في مكة لإقامة الدولة الإسلامية. فهذا معناه أنه يجب أن نقوم بأعماله التي قام بها والتي كان من شأنها أن تقيم الدولة الإسلامية. ومن عملية التغيير التي قام بها الرسول ﷺ التماس النصرة، أي طلب النصرة.

ومن هنا فإن وجود النصرة في عملية التغيير هذه لهو أمر في غاية الأهمية، حيث علق الله حصول نصره على المؤمنين بنصرهم دينه تعالى، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7). فلأهمية وجود النصرة من أهل القوة أصر الرسول ﷺ واستمر وأصحابه في طلبها رغم المشقات والصعوبات وملاقاة الأذى في سبيله كما دلت الروايات المتعددة على ذلك.

وكل من يفهم الإسلام الفهم الصحيح لا بد أن يدرك أن الهجرة لا تعني إلا إقامة الدولة الإسلامية… وهذا ما فهمه ورقة بن نوفل الذي قال للرسول ﷺ مباشرة بعدما سمع منه ما جرى له في غار حراء، حين قال له: «هذا هو الناموس الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك»، قال عليه الصلاة والسلام: أو مُخْرِجِيَّ هم؟! قال ورقة: «نعم لم يأتِ رجل قطُّ بمثل ما جئتَ به إلّا عُودِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مُؤَزَّرًا».

ولأهمية النصرة فإنه ما إن علم كفار قريش بالنصرة والبيعة حتى أسرعوا إلى محاولة إجهاضها والعمل على التخلص من الرسول ﷺ ودعوته نهائيًّا؛ لذلك اجتمعوا على قتلهﷺ واتفقوا على أن يتفرق دمه في القبائل، فشاء الله أن يكون فيما أرادوه من شر قتل الرسول ﷺ مولد ذلك الحدث العظيم: إقامة دولة الإسلام.

ومن هنا كانت الهجرة هي الطريق إليه. وهل كانت الهجرة إلا بعدما كانت النصرة؟! وهل كانت الهجرة إلا بعدما كانت البيعة؟! والسؤال الذي يطرح الآن: لماذا تقبل القبائل أن تشترك في قتل النبي ﷺ وهو ليس من أهلها؟ … لقد قبلت ذلك لأنها علمت كما علم زعماء مكة أن هذه الدعوة هي دعوة توحيد تقضي على الوثنية وعلى الشرك بكل صوره في مكة وخارجها، وأنها لا تقبل المشاركة ولا ترضى بالآخر معها، فهي تقوم على التوحيد وحسب. لقد فهم زعماء الكفر في الجاهلية ما تعنيه الهجرة أكثر مما فهمه بعض علماء المسلمين اليوم، بل أكثر من ذلك، فإن الغرب وحكام المسلمين يفهمون ذلك أفضل منهم.

 

شرف الأنصار وأهل النصرة

لقد نال الأنصارُ منزلةً عاليةً في الإسلام، فقد امتدحَهم الله في كتابه، وأثنى عليهم، وقارنهم بالمهاجرين؛ فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: 100

وقال: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 117]، وقال فيهم أيضًا: (مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9].

وأصبح حُبُّ الأنصار من الإيمان، وبغضهم آية النفاق، وقد أحبَّهم النبي ﷺ حبًّا جمّا، وأحبُّوه حبًّا يندُر مثلُه. 

ومما يُبيِّن حُبَّه ﷺ لهم ما قاله: “لولا الهجرة لكُنْتُ امْرءًا من الأنصار، ولو سلك الأنصارُ شعبًا وواديًا، وسلك الناس شعبًا وواديًا لسلكْتُ شعب ووادي الأنصار“. فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آووه ونصروه، أو كلمة أخرى؛ البخاري (3568).

وقد صرح النبي ﷺ بُحبِّه للأنصار، فقال: ((والذي نفسي بيده، إنكم أحَبُّ الناس إليَّ)) (البخاري :3575). ومن أعظم وصاياه بالأنصار وهو في مرض موته ﷺ ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية بردٍ، قال: “فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرشي وعَيْبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم”. (البخاري: 3588).  وسبب هذه الوصية أنهم بطانة النبي ﷺ وموضع سِرِّه وأمانته.

وقد دعا لهم النبي ﷺ ولذراريهم بالمغفرة، فقال: “اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار“. (مسلم: 4688)

وكان ممن عرَفَ حقَّهم رضي الله عنهم الصحابي الجليل جرير البجلي رضي الله عنه لما رأى شِدَّة حبِّهم للنبي ﷺ وتسابُقهم في خدمته؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: “خرجت مع جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه في سفر، فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيتُ الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئًا آليْتُ على نفسي ألَّا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته (رواه مسلم 251)

والأنصار اسم سَمَّى الله به الأوس والخزرج وحلفاءهم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وإنما سُمُّوا الأنصار لنصرتهم للإسلام؛ ولذلك تمنَّى النبي ﷺ أن ينسب إلى نصرة الدين لولا مانع الهجرة، وهذا يدلُّ على عظيم منزلتهم وفضلهم في كونهم إنما نسبوا لأمر عظيم؛ وهو نصرة دين الإسلام.

هؤلاء هم الأنصار أهل الكرم والبذل والسخاء والتضحية، فقد جادوا بمهجهم وأرواحهم وأبنائهم وأموالهم في سبيل نصرة الدين وإعزازه، فقد والوا وعادوا في هذا الدين، ومن أجله قطعوا علائقهم بالبعيد والقريب، ورمتهم العرب بسبب هذه النُّصْرة للدين عن قوس واحدة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

لقد نال الأنصار هذه المنزلة الشريفة لأنهم قاموا بإعطاء النصرة للرسول ولدعوته وسلموا الحكم إلى حضرته ﷺ حتى أقام الدولة في المدينة. وهذا الشرف أعطاه الله من ينصر دينه وحملته في كل زمان ومكان.

فها نحن اليوم في حاجة ملحة إلى وجود الأنصار الذين يعطون النصرة لحزب التحرير الذي يعمل ليلا ونهار لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة التي بشرنا بها الرسول ﷺ في قوله:“ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت” (رواه أحمد)

إن طريقة التغيير عند المسلمين قد استكملت حلقاتها، إلا حلقة واحدة، هي الحلقة الأخيرة، وهي حلقة وجود القوة، ويلاحظ أن هذه الحلقة موجودة، والكل يعرف خطورتها، ممن يريد التغيير ومن يواجهه. لذلك نرى الغرب والحكام التابعين له يشدِّدون المراقبة على هذه القوة، وتعمل الأجهزة الأمنية القمعية المختلفة بكامل طاقتها لمنع الجيوش من أي تحرك ضدهم، فيمارسون عليهم سياسة التعتيم، وقلب الحقائق، ويهددونهم ويحذرونهم ويأخذونهم على الشبهة.

من هنا يمكن القول إن الجيوش تبقى مصدر قلق للأنظمة لأنها تبقى من جنس الأمة وليست من جنس الحكام، فقط قادة هذه الجيوش، مع قادة الأجهزة الأمنية القمعية المختلفة، يتم اختيارهم بعناية للمحافظة على أنظمة الدول وإبعاد كل خطر عنها ومنع أي تهديد لها، وفرض السير في سياسته. أما باقي أعضاء السلك العسكري ففيهم الخير والرجاء ضباطًا وأفرادًا. وهؤلاء تخافهم الأنظمة، وهؤلاء من تستنفر ضدهم.

ونظرا لمكانة أهل القوة في جيوش المسلمين حاولت الولايات المتحدة السيطرة على ضباط الجيوش في البلاد الإسلامية عبر إستراتيجيات متنوعة ومتعددة الجوانب، بهدف تعزيز نفوذها وحماية مصالحها في المنطقة.

وفيما يلي بعض الأساليب التي استخدمتها الولايات المتحدة لتحقيق ذلك:

  1. التدريب العسكري والدعم اللوجستي

  • الولايات المتحدة تقوم بتقديم برامج تدريبية لضباط الجيوش من البلاد الإسلامية، سواء في أراضيها أو من خلال إرسال مستشارين عسكريين إلى هذه الدول.

  • يُدرب الضباط على الأساليب الحديثة للقتال، القيادة، وإدارة القوات، ما يجعلهم يعتمدون على الدعم الأمريكي.

  • الأمثلة تشمل برامج مثل “IMET” (International Military Education and Training).

  1. الاتفاقيات الأمنية والعسكرية

  • توقيع اتفاقيات أمنية ودفاعية مع البلاد الإسلامية التي تنص على التعاون في المجالات العسكرية، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً في توجيه عقيدة الجيوش وتوجهاتها.

  • تتضمن الاتفاقيات شروطاً تتيح للولايات المتحدة التدخل في شؤون الجيوش، مثل توفير الأسلحة والتدريب مقابل الحفاظ على ولاء الضباط.

  1. تزويد الجيوش بالسلاح والتكنولوجيا العسكرية

  • الولايات المتحدة تُعَد المورد الرئيس للأسلحة المتطورة والتكنولوجيا العسكرية للبلاد الإسلامية.

  • الاعتماد على السلاح الأمريكي يجعل الجيوش مرتبطة بأمريكا من خلال احتياجات الصيانة والذخيرة والتدريب على استخدام المعدات.

  1. الابتعاث والدراسة في الأكاديميات العسكرية الأمريكية

  • الكثير من الضباط يرسلون للدراسة في الأكاديميات العسكرية الأمريكية مثل West PointوNational Defense University، حيث يلقَّنون العقيدة العسكرية الأمريكية وتغرس فيهم أفكار تخدم الأجندة الأمريكية.

  1. شبكات النفوذ الاستخباراتي

  • الولايات المتحدة تعمل عبر وكالات مثل CIAو NSAلتجنيد الضباط أو التأثير عليهم باستخدام وسائل ضغط مثل الابتزاز أو الإغراءات المالية.

  • تُستخدم هذه الشبكات للتأكد من ولاء الضباط ولضمان تنفيذ السياسات التي تتماشى مع المصالح الأمريكية.

  1. الترويج للأيديولوجيا الديمقراطية والعلمانية

  • الولايات المتحدة تعمل على غرس مفاهيم الديمقراطية والعلمانية في عقيدة الجيوش من خلال التدريب والندوات الدولية.

  • يصوَّر الولاء للأنظمة الحاكمة على أنّه يجب أن يكون مبنياً على حماية الديمقراطية و”الأمن القومي”، وفق المفاهيم الغربية.

  1. إضعاف البدائل المحلية

  • عبر التدخلات السياسية والعسكرية، تسعى الولايات المتحدة إلى تقويض أي توجهات إسلامية أو وطنية قد تهدد نفوذها.

  • يحصل ذلك من خلال دعم الأنظمة الحاكمة المرتبطة بالولايات المتحدة أو الانقلابات التي تخدم مصالحها.

  1. استخدام “الحرب على الإرهاب”كغطاء

  • بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، عززت الولايات المتحدة سيطرتها على جيوش البلاد الإسلامية من خلال برامج مكافحة الإرهاب، ما أدى إلى فرض سياسات أمنية تخدم المصالح الأمريكية.

  1. بناء قواعد عسكرية في المنطقة

  • وجود قواعد عسكرية أمريكية في دول مثل قطر وتركياوالكويت، يمنحها القدرة على مراقبة الجيوش المحلية وتوجيهها.

  • هذه القواعد تستخدم أيضاً وسيلةَ ضغط لتأكيد السيطرة.

  1. استبدال القيادات غير الموالية

  • في حال وجود قادة عسكريين يرفضون النفوذ الأمريكي، يُضغط على الأنظمة الحاكمة لاستبدال قادة أكثر ولاءً بهم.

  • أحياناً تُستخدم انقلابات عسكرية بدعم أمريكي للإطاحة بالأنظمة أو القادة الرافضين.

  1. التطبيع مع كيان يهود

  • الولايات المتحدة تشجع الكثير من البلاد الإسلامية على تطبيع العلاقات مع كيان يهود، مما يؤثر على عقيدة الجيوش ويبعدها عن القضايا الإسلامية الكبرى.

هذه الوسائل جعلت كثيرا من جيوش البلاد الإسلامية أدوات لتحقيق المصالح الأمريكية، وأبعدتها عن أدوارها الأصلية في حماية الأمة الإسلامية وقضاياها المصيرية.

المبشرات

وإنه لمن المبشرات أن يصل حزب التحرير مع الأمة إلى هذا المدى من سلوك الطريق والمستوى من الإعداد، حتى لم يبقَ عليه إلا استكمال هذه الحلقة الأخيرة منه، وهي حلقة طلب النصرة. ولولا تأييد الله لهذه الثلة لما ثبتت وصبرت وتحمَّلت وضحَّت…

وفعلًا هناك دعوة واحدة وحيدة قد قامت على طريقة الرسول ﷺ، وهي دعوة حزب التحرير حصرًا، وليس هناك من دعوة أخرى تدَّعي أنها قد قامت على ذلك. بل أكثر من ذلك، فإن سائر الدعوات ما زالت تدعي إلى اليوم أنه ليس مطلوبًا السير على هذا الطريق. ومن هنا نحن نقول إن حزب التحرير قد استقام على الطريقة في كل أعماله منذ أول يوم، وهو لم يُغيِّر ولم يُبدِّل، وهو يقول إن دعوته قد وصلت في المسلمين إلى أبواب الفرج التي لا يفتحها إلا الله العليم الخبير. وصل إلى مرحلة فتح باب النصر الذي لا يفتحه إلا هو، وصل إلى الخطوة الأخيرة في دعوته لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، وهي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام التي حققتها هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة. فكيف ستتحقق اليوم. فالأمر بيد الله وبتوفيقه، فالهجرة جعلها الله سبحانه وتعالى منوطة بتحقُّق النصرة، فهي ثمرة لها. ويمكن القول إنه لم يعد ينقص عملية التغيير سوى تحقق (النصرة)، حتى تكتمل خطوات التغيير ويحدث الانتقال إلى مرحلة الحكم (قيام الدولة) … ويمكن القول جزماًإن النصر وعد من الله سيتحقق، ولا ريب في ذلك، يصدق به المؤمنون ويستخف به الكافرون…

 

النداء إلى أهل القوة

وفي الختام نوجه النداء الحار من قلب خالص إلى أهل القوة والمنعة من ضباط الجيوش وقادتها، وهم بإذن الله أنصار اليوم:

  • يا أهل القوة: أليس فيكم رجل رشيد؟ ألستم تنظرون إلى حالة المسلمين في فلسطين: في غزة وفي سائر البلدان، هم الآن يستصرخونكم من أعماق أعماق قلوبهم: أين جيوش المسلمين؟ أين أهل القوة والمنعة؟ أين أحفاد سعد بن معاذ؟ فإلى متى أنتم صامتون ولا تتحركون لنصرة إخوانكم في الدين؟ وما جوابكم عند رب العالمين في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟ ألستم تقرأون قول الله تعالى في محكم كتابه في سورة النساء: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77))

  • يا أهل القوة والمنعة يا أهل النصرة:

أنتم اليوم الذين تتوجه إليكم عيون دامعة ونفوس خاشعة لله، تطلب منه سبحانه وتعالى أن يقيض لهذه الأمة أهل قوة وإيمان يستخلصهم لهذه المهمة التي لا أجلَّ منها الآن، فحركوا جيوشكم قتالا فِي سَبِيلِ الله:{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}.

يأهل القوة والمنعة، يا ضباط جيوش المسلمينوقادتهم، أعطوا نصرتكم لدين الله إلى حزب التحرير الذي يعمل ليلا ونهارا لاستئناف الحياة الإسلامية من طريق إقامة الخلافة، فبذلك يتحقق النصر والفتح على أيديكم ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

فهنيئًا لمن تقع عليه مهمة النصرة والاستخلاف والتمكين من أهل القوة اليوم، ليكونوا أمثال من سبقهم من أنصار الرسول ﷺ الذين أقاموا الدولة الإسلامية الأولى، مثل سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن عند موته، ومثل سعد بن عبادة. قال الذهبي في السير: وقد تواتر قول النبي ﷺ: “إن العرش اهتز لموت سعد فرحًا به”.

ومناقب سعد لا تعد، فهو كما قال الذهبي: السيد الكبير، الشهيد، أحد السابقين، أبو عمرو الأنصاري البدري، اهتز لموته عرش الرحمن، ومناقبه مشهورة في الصحاح، وفي السير. وفي السير: أن قريشًا سمعت هاتفًا على جبل أبي قبيس، يقول:

فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف

فقال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بكر.. سعد تميم؟

فسمعوا في الليل الهاتفَ يقول:

يا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف

أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا … على الله في الفردوس منية عارف

فإن ثواب الله للطالب الهدى … جنان من الفردوس ذات رفارف

فقال أبو سفيان: هو -والله- سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *