التدرج في تطبيق أحكام الإسلام
يوم واحد مضت
المقالات
65 زيارة
فارس منصور – العراق
إن فكرة التدرج في تطبيق الإسلام تعد من الأفكار الخطيرة على الإسلام لأنها تثبط عزيمة العاملين للإسلام وتبعدهم عن الثوابت الشرعية في المواقف والأعمال، إذ إن الدعوة إلى التدرج في تطبيق الإسلام تعني أن هذه الدول القائمة حاليا في بلاد المسلمين هي دول إسلامية بحاجة إلى إصلاح فقط، في حين أنها في واقع الحال دول تطبق أنظمة كفر يجب أن تُقلع من جذورها بدل الدعوة إلى التدرج في تطبيق الإسلام الذي يطيل في عمرها، ولا يخفى علينا أنّ المناداة بالتدرج قد جاءت كردة فعل أمام ما يلمسه الدعاة من صعوبة تطبيق كل أحكام الإسلام في ظلسيطرة الغرب الكافر وعملائه من الحكام على رقاب المسلمين.
ونظراً لما لهذا الموضوع منأهمية فقد تحدث وكتب عنه الكثيرون، إلا أنني وددت أن أذكر بعض النقاط التي أراها مهمة:
أولا: يطلق مصطلح التدرج ويُراد به الوصول إلى الحكم الشرعي المطلوب علىمراحل، وليس دفعة واحدة؛ ولذلك يعبر عنه أيضا بالمرحلية، كأن يطبق المسلم حكماً غير شرعي ولكنه قريب للحكم الشرعي بنظره، ثمَّ يتدرج في التطبيق حتى يصل إلى الحكم الشرعي المطلوب، كأن تلبس المرأة المسلمة مثلا لباساًيصل ثوبها فيه إلى ما تحت ركبتها بقليل ريثما يطبق في مرحلة لاحقة الحكم الشرعيالمطلوب، ومن المهم أن ننبه إلى أن التدرج غير مقيد بعدد ثابت من المراحل، فقد يأخذ الحكم الواحد مرحلة أو مرحلتين أو أكثر، فالتدرج مرهون للظروف والأوضاع التي تحكم عدد المراحل.
ثانيا: الأدلة التي يستدل بها دعاة التدرج لا تتبع الطريقة الصحيحة في الاستنباط، فهم لم يستنبطوا من الأدلة الشرعية بعد دراستها أن التدرج جائز، بل إنهم قرروا أن التدرج ضروري ثم أخذوا يبحثون عن الأدلة على جواز ذلك، ويتضح هذا من خلال استدلالهم ببعض الآيات الكريمة:
أ- الآيات المتعلقة بالربا: من مجمل آيات الربا قالوا إن الله تعالى لم يحرمه دفعة واحدة، بل نزل تحريمه على مراحل، حيث إن الربا كان مباحاً لقوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39)، ثم نزل تحريم أكل الربا المضاعف دون القليل لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 130)، وأخيراً حرّم الله تعالى الربا بقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: 17).
ولرد هذا الكلام نقول إن الربا تم تحريمه في بادئ الأمر بقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: 17)، حيث إن سورة البقرة هي السورة التي نزل فيها تحريمالربا وهي أول سورة نزلت في المدينة كما ذكر ذلك المفسرون، وعليه فلا يوجدما يدل على أنه حُرم على مراحل، وتعدد النصوص الواردة في الموضوع كان لوقائع معينة،ولا يوجد فيها ما يدل على التدرج. فقوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39)، لا علاقة لها بالربا، ومعناها أن من أعطى هبة أو هدية يريدضعفها أو استردادها من الناس فلا ثواب عليها عند الله، ذكر ذلك القرطبي وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب، والشعبي. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 130) أيضا لا دلالة لهم فيه، فقد نزلت الآية تنهى عن أكل الربا المضاعف باعتبار ما كان أهل الجاهلية معتادين عليه عند تعاملهم بالربا ولا يوجد في الآية ما يدل على تقييد تحريمالربا بالمضاعف.
ب- الآيات المتعلقة بالخمر: من مجمل هذه الآيات فهم القائلون بالتدرج أن الخمر كانمباحاً في بادئ الأمر بدليل قـوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْفِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: 220)، ثمَّ نزل تضييق الإباحة بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء: 43)، ثمَّ نهي عن الخمر بعد هذا التضييق وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُالشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِوَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 91).
ونقول إنّ هذه الآيات لا تدل على التدرج في تحريم الخمر، فالخمر لمتكن محرمة، بل كانت متروكة على البراءة الأصلية، حتى نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُالشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)، والمدقق في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء: 43)، يرى أنها لم تَنْهَ المسلمين عن الصلاة وقد شربوا الخمر، بل نهت عن الصلاة في حالة السكر حتى يعلم المسلمون ما يقولون، ولوكان المسلم بعد نزول هذه الآية تفوح منه رائحة الخمر وهو يصلي بالمقدار الذي لا يضيع معه عقله فلا شيء عليه، ولم يحصل أن أحداً استحل شرب الخمر بعد تحريمها، لا فيعهد الرسول ﷺ ولا في عهد الصحابةولا في عهد التابعين وتابعيهم، وسيبقى الحكم كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثالثا: كان النبي ﷺ يبلّغ التشريع الجديد لحظة نزوله ويأمر باتباعه فلا يتدرج في تطبيق ما نزل عليه، ولا يسمح بالحرام بعد تحريمه، ولا يعمل بالمنسوخ بعد النسخ، فليس هناك أي دليل أو إثبات على أن الرسول ﷺ قد أجَّل تطبيق بعض الأحكام، أو أنه قد طلب من صحابته تطبيق أحكام وأباح لهم تأجيل أخرى حتى يُفهم من ذلك أنه تدرج، بل العكس من ذلك، نجد من سيرته العطرة أنه ﷺ رفض دعوات زعماء قريش له بالتنازل ولو عن القليل من أحكام الله، حيث رفَض رسول الله ﷺ التناوب على الحكم يوم عرضته عليه قريش، وكذلك نجد موقفه من بني عامر بن صعصعة عندما طلبوا أن يكون الأمر فيهم من بعده مع شدة الحاجة عنده لوجود من ينصر الدعوة حينها، ولكنه قال لهم: «الْأَمْرُ إِلَى اللهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، وموقفه من بني شيبان عندما أتوه وقالوا له: “يا محمد إن عندنا رجالاً كالذرِّ ومالاً كالتراب وعزيمة وبأساً كالجبال، ننصرك على العرب ولا ننصرك على الفرس والروم”، فقـال لهم رسول الله ﷺ: (وَإِنَّ دِينَ اللهِ تَعَالَى لَنْ يَنْصُرَهُ إِلا مَنْ أَحَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ)، وموقف النبي ﷺ من بني ثقيف حيث روى ابن هشام في سيرته أنه عندما قدم وفد ثقيف ليفاوضوا رسول الله سألوه أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين. فأبى رسول الله ذلك عليهم. فما برحوا يسألونه سنة ويأبى عليهم، حتى سألوا شهراً واحداً بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعهم شيئاً مسمّى. وهذا ما سار عليه الخلفاء من بعده في تطبيق أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة، فقد كان تطبيقهم للأحكام رضي الله عنهم دفعةً واحدةً، دون تأخير أو تسويف أو تدرج.
رابعا: بالنظر إلى أرض الواقع، نكتشف أننا لم نجنِ من فكرة التدرج في تطبيق الإسلام إلا كل شر والأمثلة على ذلك كثيرة. ومنها مثلا في مصر فقد وصل الإخوان مسلمون إلى سدة الحكم فماذا كانت النتيجة؟! لم يستطيعوا إقامة الدين. وأما السودان فالدولة مقسمة، يعاني أهلها الفقر والحرمان. وتركيا التي يَعدّها العديد نموذجاً للحكم يحتذى به، واقعها أنها مرتع للعلمانية وتبعية للغرب. وأما في الأردن فأكبر همهم هو تغيير القانون الانتخابي حتى يتاح لأكبر عدد منهم دخول البرلمان. وفي تونس فقد وصل الحال إلى مخالفة أحكام شرعية قطعية الدلالة في القرآن الكريم مثل قوانين المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى وتجريم تعدد الزوجات. واليوم في سوريا، نجد هيئة تحرير الشام قد وصلت إلى منتهى طريقها، وهو إسقاط النظام، فهم اليوم في سدة الحكم ولكنهم لم يلتفتوا إلى إقامة حكم الله بعدمارهنوا أنفسهم بارتمائهم في أحضان الدول الأخرى. وجميع بلاد المسلمين خذلت المجاهدين في غزة بل وتآمرت عليهم، وهم يسمون أنفسهم دولا إسلامية.
وأخيرا: كنا وما زلنا نقول إن أمة الإسلام أمة كريمة وفيها الخير الكثير، وهي أمة تتوق لتطبيق الإسلام، وإن التغيير الحقيقي لن يكون إلا بالتغيير الجذري الشامل الكامل، وهذا لن يكون إلا في ظل الخلافة التي تطبق الإسلام نظاماً ودستوراً للحياة؛ وإن حزب التحرير يعمل ليل نهار بين الأمة ومعها، وقد أعد العدة لذلك، ومنها منهج كامل للدولة الذي هو مشروع دستور دولة الخلافة الذي يحتوي على أحكام الدولة المستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبقوة الدليل، نسأله جل وعلا أن نكون من شهودها وجنودها.
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
2025-04-02