مع القرآن الكريم : الإخلاص الخالص
يوم واحد مضت
المقالات
83 زيارة
خليفة محمد- الأردن
قال الله سبحانه وتعالى:
(قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [سورة الكهف/109-110].
يقول ابن عباس في سبب نزول الآية الأولى كما نقله القرطبيّ في تفسيره: “قالت اليهود لما قال لهم النبي – صلى الله عليه وسلم – (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [سورة الإسراء/85] قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً؟ فنزلت: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر) الآية. ويتابعُ القرطبيّ بقوله: وقيل: قالت اليهود: إنك أوتيت الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟! فقال الله – تعالى – قل: وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله – تعالى – قليلة”، فالآيةُ كما السورةِ نزلت جواباً لأسئلة أعطاها يهود المدينة إلى كفار قريش ليسألوها للرسول صلى الله عليه وسلم ليتأكدوا من أنّه نبيّ مرسل، وهي: عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان من شأنهم، فإنهم قد كان لهم شأنٌ عجيب، وهم أصحاب الكهف، وعن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وهو ذو القرنين، وعن الروح ما هو؟ فنزل جواب السؤالين الأولين في سورة الكهف، وجواب السؤال الثالث في سورة الإسراء. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية موضوعها سعة علم الله سبحانه وتعالى.
يقول ابن عاشور عن علاقة هذه الآية بما سبقها من الآيات في هذه السورة الكريمة: “لما ابتدئت هذه السورة بالتنويه بشأن القرآن ثم أفيض فيها من أفانين الإرشاد والإنذار والوعد والوعيد، وذكر فيها من أحسن القصص ما فيه عبرة وموعظة، وما هو خفيٌّ من أحوال الأمم؛ حُوّلَ الكلامُ إلى الإيذان بأنّ كل ذلك قليل من عظيم علم الله تعالى. فهذا استئناف ابتدائي وهو انتقال إلى التنويه بعلم الله تعالى مفيض العلم على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأن المشركين لما سألوه عن أشياء يظنونها مفحمة للرسول وأنْ لا قِبَلَ له بعلمها؛ علَّمه اللهُ إياها، وأخبرَ عنها أصدقَ خبر، وبيّنها بأقصى ما تقبله أفهامهم وبما يقصر عنه علم الذين أغروا المشركين بالسؤال عنها، وكان آخرها خبر ذي القرنين، أتبع ذلك بما يُعْلَمُ منه سعةُ علم الله تعالى، وسعةُ ما يجري على وَفْقِ علمه من الوحي إذا أراد إبلاغَ بعض ما في علمه إلى أحد من رسله. وفي هذا رد عجز السورة على صدرها”، وهذا؛ أي: ردّ العَجُز على الصدر من فنون البلاغة، وفيه ربط آخر السورة بأولها.
قلنا إنّ موضوع هذه الآية هو علم الله سبحانه وتعالى، العلم المحيط المطلق الذي لا نهاية له، وقد ابتدأت الآية الكريمة بفعل الأمر (قُلْ) مخاطَباً بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تأكيد على مهمّة الرسول في تبليغ وحي الله سبحانه وتعالى إلى الناس، ثم جاء التصوير البديع الذي صوّر سعة علم الله تعالى بأنْ لو كان البحر مداداً؛ أي حبراً تُكتب به كلمات الله، سُمّي مِداداً لإمدادِه الكاتب؛ لنَفِدَ البحرُ؛ أي: انتهى وفَرُغ؛ قبل تنتهي كلماتُ الله، وليس هذا فحسب، بل لو أُتيَ بمثل البحر عدداً ووزناً لنَفِدَ دونَ أنْ تنفَدَ كلماتُ الله، وفي الكلام حذف تقديره “مداداً لكتابة كلمات الله”.
وكلماتُ الله كما يقول الشيخ الشعراوي: “هي (كن) وكلّ مرادات الله في كونه، ما علمنا منه وما سنعلم، وما لم نعلم إلا حين تقوم الساعة”، فمع أنّ الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنّه وضعَ علمَه الخاصَّ بالسموات والأرض في اللوح المحفوظ في قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [سورة الحج/70]، فأخبر سبحانه أنّه يعلم ما في السماء والأرض، وأخبر أنّ علمَه ذلك في كتاب، وهو يسير عليه سبحانه. أخرج الترمذي عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنّ أوّلَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد“. فمع ذلك فإنّ علم الله المطلق أكبر وأوسع من علمه الخاص بالسموات والأرض، وأنّ كلماتِه المعبّرةَ عن علمِه المطلَق لا تكفي بحارُ الأرض لو كانت حبراً لكتابة كلماته، ويؤكّد ذلكقوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ) [سورة لقمان/27]، فلو أنّ أشجار الأرض منذ أنْ خلق اللهُ الأرضَ وإلى أنْ يرثَها سبحانه وتعالى صُنعت منها أقلام للكتابة، وكان الحبر الذي يُكتَب به هو ماءُ البحر، ويمدّه من بعده سبعة أبحُر؛ لنفِدَ ذلك الحبر ولم تنفَدْ كلمات الله، فعلمُ الله عز وجلّ لا يحيطُ به شيء (ولا يحيطون بشيء من علمِه إلا بما شاء) [سورة البقرة/255].
أمّا الآية الثانية فقد قال الطبريّ في تفسيرها: “يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ لَا عِلْمَ لِي إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ يُوحِي إِلَيَّ أَنَّ مَعْبُودَكُمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، مَعْبُودٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ، فَمَنْ يَخَافُ رَبَّهُ يَوْمَ لِقَائِهِ، وَيُرَاقِبُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَيَرْجُو ثَوَابَهُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ فَلْيُخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَلْيُفْرِدْ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ”.
وقد بُدئت هذه الآية بما بُدئت به سابقتُها، بفعل الأمر (قُلْ) خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم وأمراً له أنْ يقول: إنّما أنا بشرٌ مثلُكم، وقد تكرّر هذا الأمر كثيراً في القرآن الكريم، تأكيداً على بشريّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبشريّة الرسل والأنبياء قبله، قال سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) [سورة يوسف/109]، فالبشر يرسلُ الله سبحانه وتعالى إليهم بشراً مثلهم ومنهم، ولا يرسلُ إليهم ملائكة -كما طلب الكفّار- في غير موضع من القرآن الكريم، ولو كان في الأرض ملائكة وأراد الله أن يرسلَ إليهم رسلاً لأرسل إليهم ملائكة، قال عز وجلّ: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) [سورة الإسراء/95]، ولعلّ من الحكمة في ذلك أنْ يُكلَّفَ الرسولُ بما يُكَلَّفُ به الناسُ الذين أرسل إليهم، فيصبح الرسول قدوة وأسوة لقومه، مبلّغاً إياهم رسالةَ الله تعالى بقوله وفعله، وأكّد القرآن الكريم هذه اللفتة بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [سورة الأحزاب/21].
وبيّنت الآيةُ وظيفةَ الرسول بأنّه مبلّغٌ وحي الله تعالى إليه، وأنّ أول ما يُوحى إلى الرسول أنّما إلهنا إله واحد، وبهذا جاء الرسل والأنبياء كلهم؛ الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية، وقد تكرّر في القرآن الكريم بيان وظيفة الرسول بأنّها البلاغ المبين، فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [سورة النور/54]. ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم الناسَ إلى إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية موافقة لفطرة الإنسان ومقنعة لعقله، توافق غريزة التديّن عند الإنسان، التي تدفعه للإحساس بالعجز الطبيعي والنقص والمحدودية والاحتياج، ولا يُشبَع هذا الإحساس إلا بالإيمان بالله الخالق المدبر، وتقنع عقله لوقوع حواسّه على احتياجه واحتياج الأشياء حوله إلى الخالق المدبّر، فهذا الخلق البديع، وذاك النظام العجيب الذي يسير عليه الكون حول الإنسان في كل صغيرة وكبيرة يقتضي وجود الخالق، ويقتضي وجود المنظّم الذي يخضع له الكون، فجاءت دعوة الرسل بتوحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية مقنعة لعقل الإنسان وموافقة لفطرته، تملأ عقله قناعة وإيماناً، وفطرته طمأنينة ورضا.
أمّا الجزء الأخير من الآية الثانية الذي هو ختام السورة، وهو قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) فقد تضمّن معانيَ عدة، أولها الإيمان باليوم الآخر، المعبّر عنه في هذه الآية بـ (لقاء ربه) لأنّ لقاء الله تعالى يكون في اليوم الآخر، وهو بعضٌ ممّا يقتضيه الإيمان باليوم الآخر، ولقاءُ الله ممّا حبّبه الله تعالى لعباده المؤمنين كما روى البخاريّ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ“، وكان هذا من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الطبرانيّ في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كان مَقامي بَيْنَ كتِفَيْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكان إذا سلَّم قال: اللَّهمَّ اجعَلْ خيرَ عُمُري آخِرَه اللَّهمَّ اجعَلْ خواتيمَ عمَلي رِضوانَكَ اللَّهمَّ اجعَلْ خيرَ أيَّامي يومَ ألقاكَ“.
لكنّ محبّة لقاء الله تعالى ورجاءه تقتضي أمرين متلازمين، أولهما: العمل الصالح، وثانيهما: عدم إشراك أحدٍ مع الله تعالى في العبادة. أمّا العمل الصالح فهو ما أمر اللهُ سبحانه القيامَ به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وبيان العمل الصالح من مهمة الأنبياء والرسل، روى النسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّهُ لمْ يكنْ نَبِيٌّ قَبلي إِلاَّ كان حَقًّا عليهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ على ما يَعْلَمُهُ خيرًا لهُمْ ويُنْذِرَهُمْ ما يَعْلَمُهُ شَرًّا لهُمْ”، فلم يُتركْ تحديد العمل الصالح للإنسان، لأنّ حكم الإنسانِ على الأشياء وعلى الأفعال عرضةٌ للاختلاف والتفاوت والتناقض والتأثر بالبيئة، فهو يحكُم على ما يحبّه وعلى ما ينفعه أنّه خير له، ويحكم على ما يكرهه وعلى ما يضرّه أنّه شرٌّ له، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى خطأ هذه المقاييس البشرية حين فرض القتال فقال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة/216]، فحقيقة العمل الصالح هو ما جاء الأنبياء والرسل لتحديده وبيانه، وبعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أصبح تحديد العمل الصالح مرهوناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنّ رسالته نسخت الرسالات السابقة.
وأمّا الأمرُ الأخير في هذه الآية وهو ما ختمت به السورة الكريمة فهو عدم إشراك أحدٍ مع الله تعالى في العبادة، بمعنى ألّا نعبدَ الله سبحانه، لكنّ العبادة المقصودة هي الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى، وليست العبادات بمفهومها الخاص، التي تنظّم العلاقة بين العبد وخالقه فحسب، روى الطبراني في الكبير والترمذي والبيهقي في السنن الكبرى أنّ عديّ بن حاتم قدمَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [سورة التوبة/31] قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم ، قال: “أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم“، فعبادة الله تعالى وحده تعني إفراده بالتوحيد وإفراده بالتحليل والتحريم، وتعني طاعته المطلقة في كلّ ما أمر به وكلّ ما نهى عنه.
كما أنّ عبادة الله تعالى وحده تقتضي من العبد المؤمن الإخلاص الخالص، إخلاص العبادة لله سبحانه وحده، دون أن تشوبَها شائبة من رياء أو سُمعة، روى مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن جندب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ به، ومَن يُرائِي يُرائِي اللَّهُ بهِ“، وروى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قال اللهُ تعالَى: أنا أغْنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَنْ عمِلَ عملًا أشركَ فيه معِيَ تركتُهُ وشِركَهُ”، وعليه فإنّ من كان يحبُّ ويرجو لقاء الله تعالى فليؤمن بالله وحده ربّاً وخالقاً ومدبراً، لا يستعين إلا به، ولا يتوكّل إلا عليه، ولا يرجو غيره، وليلتزم العمل الصالح كما أمر الله سبحانه وتعالى، أي فليجعل الحلال والحرام مقياسه في هذه الحياة الدنيا.
ونختم بلفت النظر والاهتمام إلى مسألة مهمة أشار إليها الجزء الأخير من الآية الثانية، خاتمة سورة الكهف، وهذه المسألة هي حلُّ العقدة الكبرى عند الإنسان الحلّ الصحيح، فقد أجابت عن الأسئلة الثلاثة التي تثيرها غريزة التديّن عند الإنسان، وهي: من أين جئت؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ فالله تعالى هو خالقنا ومدبّر أمرنا وأمر الكون كله، وخلقنا لعبادته والتزام أوامره واجتناب نواهيه، ورجوعنا إليه سبحانه وتعالى في اليوم الآخر للحساب والثواب، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن نكون ممن يرجو لقاء الله تعالى ويحبّه لنفوز برضاه والجنة، ونسأله أن يبرم للمسلمين أمر رشد يعزّ فيه أهل طاعته ويذلُّ فيه أهل معصيته.
2025-04-02