العدد 462_463_464 -

السنة التاسعة والثلاثون، رجب – شعبان – رمضان 1446هـ الموافق كانون الثاني – شباط – آذار 2025م

الكذبة الكبرى حول الإسلام والعلمانية في بلاد المسلمين

د. يحيى حسن – اليمن

من أكثر الأكاذيب المتداولة والرائجة في أروقة الفكر السياسي والإعلامي، تلك التي تحاول أن تلقي اللوم على الجماعات الإسلامية وأهل الدين بالتسبب بالفقر والجهل المنتشرين في بلاد المسلمين. هذه الأكذوبة التي يروج لها كثير من المثقفين والإعلاميين في سعي لتشويه صورة الإسلام وتبرير الواقع المظلم الذي نعيشه، إذ يصرّون على أن الحل يكمن في تطبيق النظام “العلماني” الذي يفصل الدين عن الدولة، معتمدين على خطابات تنشرها الجهات المستفيدة من بقاء الوضع على ما هو عليه.

لكن الحقيقة التي يتجاهلها العلمانيون، بل ويعملون على إخفائها، هي أن العالم العربي قد حكمته فعلاً نظم علمانية منذ ما يزيد على المائة عام، ابتداء بتركيا ومصر ومرورًا بسوريا ولبنان وتونس والمغرب والسودان واليمن والخليج… كل هذه الدويلات تبنت الدساتير العلمانية في إطار سياساتها الداخلية، حتى وإن كانت ترفع شعار الإسلام بشكل أو بآخر في وجه الجمهور. وهذا الازدواج في الخطاب هو ما يعزز هذه الكذبة الكبرى، أنظمة تسمي نفسها إسلامية في البلاد العربية، بينما الحقيقة هي أن الأنظمة العربية هي علمانية تمامًا، وهي تتحكم بمصير الأمة حتى اليوم.

فالحقيقة أنه لا يوجد دولة في العالم العربي أو الإسلامي تطبق الشريعة الإسلامية بشكل كامل في نظمها، حتى وإن كانت ترفع شعار “الإسلام هو الحل”. هذه الدول، التي ظلت تدعي تبنيها دستورا إسلاميا، كانت في الواقع قد استبدلت بالشريعة الإسلامية أنظمة علمانية غربية لم تُسهم إلا في تعميق الفساد والفقر والجهل، بينما قام الحكام باستغلال ثروات الأمة لصالحهم وصالح الغرب الذي دعمهم في بقائهم في السلطة.

إن الذين يتهمون الإسلام بعدم القدرة على حكم الدول ويرددون أن العلمانية هي الحل، لا يدركون أن الإسلام لو طبق في أي دولة، لكان جلب لها العدل والرخاء. الإسلام لا يقتصر على عبادات الفرد فحسب، بل هو نظام حياة كامل يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع. فإذا كان حكام الدويلات في بلاد المسلمين قد فشلوا، فذلك ليس بسبب الإسلام، بل بسبب فسادهم الشخصي ورضوخهم لنظام استعماري يقيد شعوبهم ويمتص خيرات بلادهم. فالواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم هو نتيجة مباشرة للنظام العلماني الذي قاد الأمة إلى التدهور في كل المجالات، سواء في التعليم أو الاقتصاد أو السياسة.

والدليل على ذلك، هو أنه لا توجد دولة إسلامية طبقت الشريعة الإسلامية منهجا كاملا للحكم وواجهت مشكلات كالتي نعاني منها اليوم. فالإسلام هو الدين الحق، وهو الذي يضمن حقوق الإنسان. فدولة الخلافة عندما طبقت الإسلام كانت تعيش في ازدهار وتقدم حقيقيين، وكانت تبسط الأمن والعدل.

إن القول بأن “الإسلام فشل في الحكم” هو قول باطل ومرفوض تمامًا. وإذا أردنا أن نرى حقيقة هذا الفشل فعلينا أن ننظر إلى الأنظمة العلمانية التي تحكم الدول العربية الآن، والتي في أغلب الأحيان تكون أداة لتحقيق مصالح شخصية وفئوية على حساب الشعوب. هذه الأنظمة لا تؤمن بمفهوم العدالة الذي جاء به الإسلام، ولا تعمل على تحقيق رفاهية الناس أو حماية حقوقهم. بل على العكس من ذلك، هي تفضل الاستبداد والفساد بدلا من بناء دولة عادلة قائمة على الشريعة الإسلامية.

وفي الختام، نقول لأولئك الذين يروجون لهذا الخطاب:

إنكم تكذبون على الأمة، فالإسلام بريء من كل الفشل الذي نعيشه اليوم. فالمسلمون لم يكونوا يوماً في حاجة للعلمانية أو الرأسمالية، بل هم يحتاجون العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كما هي في حقيقتها، بعيدًا من التلاعب السياسي والتخلي عن القيم التي جاء بها الإسلام. فالإسلام يجب أن يطبق على الناس، ومتى عدنا إليه بصدق وعزم ستكون الأمة الإسلامية على الطريق الصحيح نحو النهوض والازدهار.

وإلى كل من يروج لهذه الأكاذيب نقول:

هاتوا لنا دولة إسلامية طبقت الشريعة وفشلت في توفير العدالة والازدهار، وبرهنت أن الإسلام لا يصلح للحكم. سننتظر الإجابة، ولكن الحقيقة هي أن الإسلام، لو طبق تطبيقًا صحيحًا فإنه سيعيد الحق إلى نصابة وينشر الخير للعالم بعد أن ملئ جورا وظلماً. ولقد استمرت الدولة الإسلامية ثلاثة عشر قرناً من الزمن، ولا تخفى على أحد، وستعود قريباً إن شاء الله، خلافةً راشدة على منهاج النبوة، كما بشرنا بها رسول الله ﷺ، بعد الحكم الجبري الذي يحكمنا بالحديد والنار وبهذه الأفكار العلمانية المخالفة للفطرة الإنسانية.

نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن يكون ذلك قريباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *