بناء الاقتصاد وإعادة الإعمار في سوريا: بناء دولة قويّة؟ أم اندماج في منظومة إقليمية؟
يوم واحد مضت
كلمات الأعداد
210 زيارة
أ. أحمد القصص- لبنان
منذ سقوط نظام الإجرام في سوريا كثر الكلام عن أولوية بناء الاقتصاد وإعادة الإعمار، وأنّ هذه الأولوية مقدّمة على أيّ اعتبار آخر، وأنّ سوريا لن تقوم لها قائمة دون إعادة إعمارها وبناء اقتصادها وعودة أبنائها النازحين إليها. وما يُقلق في هذا الكلام المتكرّر منذ سقوط نظام الإجرام التسليم بأنّ بناء الاقتصاد وإعادة الإعمار لا يتأتّيان إلّا عبر الدعم المالي والاستثماري من الدول الكبرى والمنظّمات الدولية والدول العربية ولا سيّما الخليجية منها. وجُعلت هذه المسلّمات المفتَرضة من أهمّ التبريرات التي سُوّقت لإنشاء علاقات وُصفت بالمتينة والإستراتيجية مع كبرى الدول الغربية والأنظمة الإقليمية. وقد تلقّف كثير من المخلصين من أهل سوريا الذين غمرتهم الفرحة بسقوط نظام الإجرام هذه السرديات، وتعاملوا معها على أنّها قضايا بدهية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها، وأنّ هذا هو الطريق الوحيد لترميم الاقتصاد السوري وإعادة إعمار البلاد.
والحقيقة أنّ هذه السردية التي تسوَّق بشكل واسع في الإعلام والصحافة الدوليين والغربيين لا تعدو كونها وجهًا من وجوه الانقضاض على سوريا وأهلها وثورتها واقتصادها. فخطط إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد التي يدور الكلام حولها ليست خططًا على قياس سوريا وأهلها واقتصادها وقرارها السياسي المستقلّ. وإنّما هي خطط تندرج في المشاريع الاقتصادية للشركات الرأسمالية العالمية والدول الغربية، وتؤدّي أنظمة إقليمية، وبخاصّة دول الخليج، دورًا أساسيًا فيها. ومن يتابع الأخبار السياسية الدولية والإقليمية، بما فيها الأخبار المتعلّقة بالاقتصاد العالمي والإقليمي، يعرف دون كبير جهد وعناء أنّ أحد أهمّ عناوين ما يجري في منطقة المشرق العربي – وسوريا جزء أساسي منها- هو الوظيفة الاقتصادية لهذه المنطقة في تحقيق أحد أهمّ الأهداف الإستراتيجية للولايات المتّحدة أوّلًا، وأوروبا ثانيًا، وكيان يهود ثالثًا.
وفي هذا السياق أتت الأحداث المفصلية الضخمة في المنطقة، من تحطيم قوّة حزب إيران في لبنان ووضعه تحت الوصاية الدولية الفعلية، وتحجيم نفوذ نظام طهران فيه، وطرده من سوريا، والحرب الإجرامية على غزة، والانفتاح على السلطة الجديدة في سوريا، بل ورعايتها. ويجري هذا كلّه بالتزامن مع دعاية واسعة عن مستقبل قريب واعد للمنطقة على الصعيد الاقتصادي والتنموي. فلبنان وسوريا موعودتان بإعادة إعمار سريعة ورساميل استثمارية ضخمة، وبالتالي بتكاثر فرص العمل وتراجع نسب البطالة وارتفاع متوسّط الدخل الفردي وتطوير البنى التحتية… فما مدى صدق هذا الكلام؟ وما الأساس الذي يستند عليه إن كان صحيحًا؟
هذا الكلام ليس مجرّد دعاية فارغة، بل هو بحدود العبارات السالف ذكرها صحيح ومرجّح حصوله. أو هو على الأقلّ بعض ما تتضمّنه خطّة أمريكا – ومعها أوروبا والأنظمة الإقليمية والكيان الغاصب – للمنطقة. فالمنطقة أصبح عنوانها الاستثمار الضخم والواعد منذ اكتشاف كمّيات الغاز الضخمة التي تكتنزها في مياهها الإقليمية، فضلًا عمّا تحويه من آبار للنفط وثروات معدنية. ويكمن مزيد من الأهمّية للثروة الغازية تحديدًا في كونها تحقّق هدفًا سياسيًا إستراتيجيًا ضخمًا للولايات المتّحدة وأوروبا في آن معًا. فهي مرشّحة لتكون البديل الوافي الوحيد للغاز الذي كانت تضخّه روسيا إلى دول الاتّحاد الأوروبي ويشكّل أهمّ ريع مالي لها، والذي انقطع منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. فإذا وضعت الولايات المتّحدة يدها على استثمار آبار الغاز في شرق المتوسّط، أي في بلاد الشام، وزوّدت به أوروبا فإنّها تكون قد حقّقت أهدافًا إستراتيجية عدّة. أهمّها حرمان روسيا من ريع الغاز الذي تتطلّع إلى عودته، فتنهي أمريكا بذلك احتياج أوروبا لغاز روسيا، وبالتالي تضرب أحد أهمّ عوامل العلاقة الوثيقة بين الاتّحاد الأوروبي وروسيا، لترتمي أوروبا مجدّدا في حضن أمريكا التي تمسك بمفتاح الغاز في المنطقة من خلال الحكومات التابعة لها، إضافة إلى تدفّق ريع هذه الاستثمارات على الشركات الأمريكية العملاقة، فضلًا عمّا يرافق هذا كلّه من الريع الضخم من مشاريع إعادة الإعمار في سوريا ولبنان وغزّة، والذي سيكون معظمه من نصيب الشركات الأمريكية، مع تخصيص حصص لشركات أوروبية وخليجية وربما تركية.
وأخطر ما في الأمر أنّ كيان الاحتلال ستكون له الحصّة الأوفر بين دول المنطقة في هذه الورشة الكبيرة. وأخطر من هذا الخطر كلّه أنّ هذا المشروع الاقتصادي الضخم يأتي كلّه في سياق خطّة أمريكا السياسية للمنطقة، والتي تتمثّل في اتفاقيات أبراهام والتطبيع مع الكيان وتكريسه شريكًا أساسيًا وطبيعيًا لدول المنطقة. وهذا كلّه يوصلنا إلى أنّ ما يوعَد به أهل سوريا ولبنان من مستقبل اقتصادي واعد لم يفصَّل على قياس مصالحهم، وإنّما هي مشاريع أمريكية مفصّلة على قياس مصالحها وخطّتها للمنطقة، فضلًا عن مصلحة كيان يهود.
نعرف أنّ أوّل ما سيتبادر إلى أذهان كثير من القارئين أنّ كلامنا هذا يعني أنّ أهل سوريا ولبنان سينالون حظّا وافرًا من هذه الورشة الاقتصادية العملاقة، إذ سوف تتدفّق أموال ضخمة على اقتصادهم عبر الاستثمارات، وسوف تتوفّر أعداد كبيرة من فرص العمل لهم، وسوف تُنشأ البنى التحتية والخدماتية في سوريا وتُطوَّر في لبنان، وسيعود بالتالي كثير من أهل سوريا النازحين إلى مدنهم وقراهم… فأين المشكلة في تلاقي المصالح بيننا وبين المشاريع الدولية؟
والجواب هو: نعم من المرجّح أن تحصل تلك الوفرة في المال وفرص العمل، والأرجح أنّه ستنشأ مشاريع لإعادة الإعمار وإنشاء البنى التحتية والخدمات وتطويرها، والمرجّح أن يشعر أهل البلدين بقدر من البحبوحة المالية مقارنة مع المرحلة الماضية، مرحلة الجحيم التي عاشها أهل سوريا منذ بدء مجازر النظام بحقّهم، ومرحلة الانهيار الاقتصادي التي بدأت في لبنان منذ حوالي ستّ سنوات. ولكنّ هذا كلّه سوف يكون ممزوجًا بالسمّ الزعاف. ولن يكون سوى مرحلة عابرةمن البحبوحة، خبرَتها من قبل دول وشعوب كبيرة تنعّمت سنوات وربما عقودًا بالبحبوحة، ولكنّها تحوّلت بعدها بلمح البصر إلى شعوب فقيرة ومتسوّلة. وما انهيار اقتصاديات النمور الآسيوية عنّا ببعيد.
إلّا أنّ ما هو أخطر من ذلك بكثير هو أنّ هذا النهوض الاقتصادي الذي يرتقبه الناس ويتشوّق له الكثير هو الاقتصاد الذي يؤدّي إلى مجموعة من أكبر الأخطار على هويّة أهل سوريا وسائر المنطقة، وعلى أمنهم بشتّى أشكاله، العسكري منها والغذائي والاجتماعي والعقدي والثقافي والتربوي… وعلى قرارهم السياسي، وعلى مستقبلهم الحضاري.
فحين تجعل دولةٌ اقتصادَها جزءًا من اقتصاد دولة كبرى أو منظومة اقتصادية كبيرة فهذا يعني أنّها رهنت مصيرها الاقتصادي باقتصاد غيرها، فإن سَلِم هذا الاقتصاد فقد يسلم اقتصادها، وإن انهار انهار معه، تمامًا كما تنهار الفروع التجارية بانهيار الشركة الأمّ. والأخطر أنّه حين تكون الدولة الكبيرة أو المنظومة الاقتصادية الكبيرة عدوّة لا أمان لها فإنّها تملك في أيّ لحظة أن تدمّر اقتصاد الدولة التي رهنت اقتصادها لها، فتكون بذلك عرضة لابتزازها الدائم. والأمثلة على ذلك في التاريخ المعاصر تكاد لا تحصى. وأقرب مثال إلى سوريا هو الدولة المجاورة لها لبنان. فبقرار سياسي أمريكي غايته إنهاء حكم حزب إيران في لبنان انهار اقتصاد لبنان بلمح البصر، وفقدت عملته خمسة وتسعين بالمائة من قيمتها، وتحوّل معظم أهله بين ليلة وضحاها إلى فقراء مفلسين معدمين. ولسان حال ساستها جميعا الآن: “لا أمل لنا بالنهوض من الهاوية التي سقطنا فيها إلّا بإرضاء النظام الدولي والارتماء في حضن أمريكا”. ذلكم أنّها دولة جعلت مفتاح اقتصادها بيد أمريكا. ولا شكّ أنّ هذا من وجهة نظر الإسلام إثم عظيم، إذ يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا، والله حرّمه تحريمًا بينا فقال: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.
وممّا يفضي إليه هذا الارتهان الاقتصادي أن تصبح الدولة مرتهنة في قرارها. فهي حتّى تحافظ على مكاسبها الاقتصادية التي يتحكّم بها الأجنبي، وهو عدوّ قطعًا، تحرص على إرضائه وعدم إسخاطه، فلا تردّ له طلبًا، ما يعني فقدان الدولة سيادتها واستقلالية قرارها. ولا يخفى على أحد كيف تخضع الأنظمة التي ورّطت نفسها في الديون واعتمدت على معونات الدول الكبرى لمطالب هذه الدول، بل لأوامرها. وهي أوامر تطال أخصّ خصوصيات هذه الدولة التي تتعلقّ بهويّتها ومناهج تعليمها ووسائل إعلامها وقوانينها وطريقة عيش شعبها ومقدّساته وحرماته وأمنه، فضلًا عن اقتصادها الذي هو عصب حياتها. ولننظر في هذه اللحظة إلى مصر والأردنّ كيف يبتزّهما ترامب بقطع المساعدات عنهما وبضرب اقتصادهما إن لم تسيرا معه في خطّته لغزّة وعموم فلسطين المحتلّة.
والسؤال الذي سيطرحه الكثير إزاء كلامنا هذا هو:
كيف إذا لبلد منكوب مثل سوريا أن يخرج من كارثته الاقتصادية؟ إنّها بلد مدمّرة، ولا بنية تحتية فيها، ولا خدمات أساسية، ولا تتوفّر فيها أبسط أسباب الحياة العادية. فكيف ينهض اقتصادها ويعاد إعمارها إن لم تستعن بالأموال الاستثمارية الخارجية والمشاريع الدولية والإقليمية؟ ومن أين تأتي بالأموال اللازمة لذلك كلّه؟
والجواب على هذا السؤال هو أنّ هذا إنّما يحصل بتفعيل الطاقات والموارد الاقتصادية الذاتية لسوريا نفسها. وهي بلاد تملك من الإمكانيات ما يكفيها لتحقيق هذه الخطّة وفق ما يلزمها وليس وفق ما تهدف إليه الدول والمنظّمات (الداعمة). ولكن أوهام الواهمين والموهِمين هي التي تعمي الأبصار عن هذه الحقيقة، ويا للأسف.
إنّ قوام الاقتصاد الناجح والمجدي في أيّ دولة عنصران اثنان:
أوّلهما الثروة الطبيعية من مصادر الطاقة والمواد الأولية والأراضي الزراعية وثروة الأدمغة والكفايات العلمية التي تحسن استثمارها، وسوريا تملك جميع هذه الثروة.
وثانيهما نظام اقتصادي، أي تشريع للحركة المالية والعلاقات الاقتصادية، يُحسن توزيع الثروة بين الناس ويبيّن أنواع المِلكية من ملكية فردية وملكية عامّة وملكية دولة، ويبين للدولة مصادر واردات الخزانة العامّة وجِهات نفقاتها. وهذا العنصر الثاني هو أعظم ثروة يملكها أهل سوريا وسائر الأمّة الإسلامية كلّها، ألا وهو النظام الاقتصادي الإسلامي المفصّل والشامل الذي شرعه الله تعالى رحمة بالناس ومن أجل رفاهيتهم الاقتصادية، والذي لم يلتفت إليه ولم يسأل عنه أحد للأسف، لا من القائمين الجدد على حكم سوريا، ولا من الذين ينظّرون لاقتصادها وإعادة إعمارها، وإنّما يندفعون دون أيّ تفكير سياسي واعٍ إلى الارتماء في أحضان المجتمع الدولي والأنظمة الإقليمية ومؤتمر دافوس، ينشدون عنده العلاج والدواء، دون أن يدروا أنّه السمّ الزعاف. بل يسارع وزير خارجية سوريا دونّما تروّ إلى الإعلان بأنّ دولته ستعمد إلى خصخصة مِلكيّات عامّة، دون أن يلتفت إلى أنّ شرع الله تعالى جعلها مِلكيات عامّة وحرّم أن يتملّكها أفراد.
ولا يقولنّ قائل إنّ هذه التدابير هي تدابير مرحلية مؤقّتة ريثما تستطيع سوريا الوقوف على قدميها ثمّ تعمد بعد ذلك إلى اعتماد اقتصاد إسلامي واكتفاء ذاتي. فهذا كلام يستسخفه أبسط خبراء الاقتصاد. إذ إنّ رهن اقتصاد الدولة للاقتصاد العالمي ليس طريقًا إلى الاكتفاء الذاتي والتخطيط المستقل، بل هو سير في الاتّجاه المعاكس للاكتفاء الذاتي، وتوريط للبلاد في ورطة يصعب الخروج منها. وقرار التحوّل عنها إذا اتّخِذ في يوم من الأيام يعني هدم ما بني والشروع في بناء جديد للاقتصاد. فالسيّد الخارجي المتحكّم في البنيان الاقتصادي برمّته هو الذي سيعمد إلى هدم ما بُني إن أراد، وذلك بقطع شرايين الاقتصاد المحلي عن الأوعية الخارجية التي اتّصل بها واستمدّ منها حياته وفق ترتيبه وتدبيره، ما يعني انهيارًا شاملًا يتطلّب تأسيسًا جديدًا لاقتصاد على أسس جديدة تجعل البلاد بمنأى عن الارتهان للاقتصاد العالمي. فهل يكون عاقلا من يبني ليهدم بعد حين!؟
ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة حين أقام دولته في المدينة. فإنّه فور وصوله ﷺ ورؤيته اعتماد أهل المدينة على السوق الوحيد الذي يسيطر عليه يهود المدينة عمد إلى إنشاء سوق جديد للمسلمين يقطع بهدابر تحكّم اليهود باقتصاد المسلمين.
ولا يتوهّمنّ متوهّم أنّ ما نقوله يعني قطع العلاقات الاقتصادية كلّيًا مع الخارج. لا، بكلّ تأكيد. ولكن شتّان بين علاقات خارجية تبادلية ندّية تنأى بالدولة عن الارتهان لاقتصاديات غيرها وبين جعل الدولة اقتصادها جزءًا من اقتصاد رأسمالي عالمي وإقليمي، فلا تملك من أمر قرارها شيئًا.
ولننتقل الآنإلى جانب آخر من الموضوع لا يقلّ أهمّية ولا خطورة عن الجوانب التي أوردتُها في سالف الكلام. ألا وهو الفرق بين اقتصاد السلم واقتصاد الحرب.
إنّ أعظم جريمة اقتصادية ترتكبها دولة في حالة حرب هي أن تعتمد اقتصادًا وإعمارًا خاصّا بالسلم والأمن المستدام. وشتّان بين هذا وذاك. وإنّ سوريا وسائر المنطقة هي أرض قتال ونزاع حربي، شاء من شاء وأبى من أبى. وإنّ كلّ من ينظر إلى سقوط حكم الفئة الطاغية في سوريا على أنّه نهاية حرب وبداية سلم مستدام هو واهم وساذج، إن لم نقل عميل متواطئ يدري ما يقول. فبلاد الشام بأقطارها الأربع سوريا وفلسطين ولبنان والأردنّ واقعة أجزاء منها تحت التهديد والاحتلال اليهودي، والاحتلال الأمريكي والاحتلال الروسي، ولو جزئيًا. وهذا كلّه يوجب شرعًا على أهل الشام ومَن حولهم القيام بفريضة الجهاد ضدّ الكفّار المحتلّين لأرضهم، دون أيّ اعتبار للحدود السياسية الباطلة التي أنشأها الكافر المستعمر وقسّم بها أرض الإسلام الواحدة فجعل بلاد الشام وحدها أربع دويلات. وإذا أمكن تصوّر خروج بعض الاحتلال بالتفاوض كالاحتلال الروسي مثلًا، فإنّ من المؤكّد أنّ احتلال كيان يهود لن يخرج دون قتال ميداني. وهذا معنى كون البلاد في حالة حرب حتمية، عاجلًا أو آجلًا. وعليه فإنّ الاقتصاد الذي يُبنى لا بدّ أن يكون اقتصاد دولة واقعة تحت تهديد عدوّها الجاثم على أرضها، وليس في جوارها فقط. وكلّ عارف بأبسط القواعد الحربية والسياسية يعرف الفرق بين اقتصاد الحرب واقتصاد السلم، وكذا الفرق بين الإعمار في حالة الحرب والإعمار في حالة السلم والأمن المستدام.
فمن أمثلة الفرق بين هذا وذاك أنّ الدولة الواقعة تحت تهديد عدوان العدوّ لا تُنشئ عمارة وبنية تحتية ذات تكلفة باهظة، ولا من النوع الذي يتمكّن العدوّ من تدميره بسهولة وتصعب إعادة إنشائه، كما تفعل الدول البعيدة عن خطر العدوان. فلا تنشىء وحدات سكنية ضمن أبراج ضخمة يسهل على العدو قصفها وتدميرها بصاروخ واحد كالتدمير الذي شاهده العالم بالنقل المباشر في بيروت وغزّة، وإنّما تبنيها على شكل وحدات منفصلة، بحيث تكون كلّ وحدة سكنية أو اثنتين أو أربع بالحدّ الأقصى في مبنى مستقلّ. وكذلك المنشآت الإدارية والمنشآت الرسمية.
والأسواق التجارية لا تُعتمد فيها المجمّعات الضخمة التي راجت في العقود الأخيرة. ولا تُنشأ معامل مركزية ضخمة لتوليد الطاقة يتمكّن العدوّ من تدميرها بضربة واحدة، وإنّما تُعتمد المولّدات الصغيرة الموزّعة على الأحياء التي لا تتكلّف مبالغ باهظة والتي لا تتعطل كلّها بتدمير جزء من شبكات التوصيل، فإذا دمّر العدوّ بعضًا منها سهل تبديلها بتكلفة صغيرة. ولا تُعتمد الجسور الضخمة التي تتكلّف مبالغ باهظة ويسهل قطع المواصلات بتدميرها وتصعب إعادة بنائها بالسرعة المطلوبة. والقاعدة نفسها تُعتمد في منصّات استخراج النفط ومعامل تكريره. ويراعى أيضًا في إنشاء المعامل الضخمة ولا سيّما الحربية منها أن تكون في أعماق الأرض والجبال حماية لها من قصف العدو. وبقية هذه القواعد يعرفها الخبراء والمهندسون المتخصّصون ولها أهلها، وأوردنا أمثلة قليلة منها. ولنا في لبنان الذي تعرّضت منشآته ومدنه وبناه التحتية للدمار مرّات عدّة في الحروب المتكرّرة التي شنّها عليه كيان الاحتلال. وفي كلّ مرّة يرى حكّامه أنفسهم معنيّين بالتنازل أمام هذه التهديدات درءًا للأخطار وطلبا للمساعدة في إعادة الإعمار، وهي مساعدات لا تأتي إلا وفق شروط تنتهك السيادة واستقلالية القرار وتنتهب أموال البلاد، حتّى وصل الأمر بلبنان حاليًا إلى الإذعان لوضعه فعليا تحت الوصاية الدولية التي يشارك فيها كيان الاحتلال نفسه.
ولا يخفى على متابع للسياسة الآن أنّ البنية الاقتصادية المرتقبة وإعادة الإعمار التي يخطّط لها (الداعمون) في سوريا لا تلتفت إلى كلّ هذه الاعتبارات، بل على العكس من ذلك. فخطط البناء والإعمار والاستثمار التي يخطّط لها الأمريكيون ومعهم الأنظمة الإقليمية وكيان يهود هي خطّة شاملة تتكامل فيها بنية الاقتصاد والاستثمار في المنطقة كلّها، بما فيها دولة الاحتلال، لتكون مكمّلة لعمليات السلام والتطبيع واتفاقيات أبراهام ودمج الكيان في المنطقة في نظام إقليمي جديد بدأت ترتسم ملامحه في السنوات الأخيرة.
وهكذا يتّضح أنّ انسياق السلطة الجديدة في سوريا مع خطط البناء والاستثمار المرسومة لها من الخارج يضعها أمام خيارين أحلاهما مرّ:
أمّا أوّلهما فهو أن تكون بنية سوريا الاقتصادية والمدنية الضخمة والتي أنشئت على قياس الاستثمارات العالمية والخليجية عرضة للتدمير الشامل في لحظة اندلاع حرب لا مفرّ منها عاجلًا أو آجلًا مع الأعداء المحتلّين، وهذه ستكون نكسة اقتصادية ومعاشية ومعنوية لأهل سوريا وبلاد الشام عمومًا متصَوَّرةً آثارُها منذ اللحظة الراهنة، لا سمح الله.
وأمّا ثانيهما – وهو الأخطر- فهو أن تؤثر هذه الدولة السلامة فتشتري سلامة بنيتها ومنشآتها المدنية وبقاءها في المنظومة الاقتصادية بالإعراض عن فريضة الجهاد في سبيل الله لتحرير أرض الشام المباركة، وبالانخراط في سلام أمريكا للمنطقة والتعايش مع كيان يهود الغاصب، سواء باعتراف وتطبيع رسميين أو باعتراف ضمني تحت عنوان اتفاق فكّ الاشتباك الموقّع سنة ١٩٧٤. وهذه لا سمح الله خيانةلله ولرسوله ولأهل الشام قاطبة سوريّيهم وفلسطينيّيهم ولبنانيّيهم، بل ولسائر الأمّة كلّها.
يا أهل الشام في سوريا ولبنان والأردنّ:
إنّ الخطب لجَلَل، وإنّ المرحلة لخطيرة. وإنّ تضحياتكم الهائلة التي بذلتموها طوال عقود من الزمان للتحرّر من المستعمرين والمحتلّين والطغاة عرضة لأن تُجهَض على مذبح المكائد الأمريكية والاستثمارات العالمية واليهودية واتفاقيات أبراهام التطبيعية. تُمهّد لها الطريقَ أعذارٌ واهية وفتاوى جاهلة وغفلة من الخاصّة والعامّة عمّا يحدق من خطر داهم على دينهم وأعراضهم وأرضهم وكرامتهم. فهل ثورةٌ خرجت من المساجد تكبّر وتهلّل، وتهتف “هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه”، وتتحدّى الفئة الكافرة بهتاف “قائدنا للأبد سيّدنا محمّد”… ترضى بأن تُختم بانخراط في مشروع أمريكا الاستثماري والتطبيع مع كيان يهود؟!
يا أهل الشام تدبّروا مليّا في الآيات التالية من سورة الأنفال، وستجدون وكأنها أنزلت عليكم الآن، تخاطبهم في واقعكم ومسيرتكم التي قطعتموها منذ انطلاق ثورتكم المباركة إلى يومكم هذا، وهي حُسن الختام:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
2025-04-02